حِراك سبتمبر.. أدوات جديدة لقمع الإنترنت

نٌشر هذا المقال أولا على موقع (مدى) بتاريخ 1 أكتوبر 2019 | للإطلاع على المقال على موقع (مدى) | للإطلاع على المقال من أرشيف الإنترنت

كتب: حسن الأزهري و محمد الطاهر

لم يُخفِ النظام المصري عدائه تجاه الإنترنت وما أتت به من أدوات وُظّفت في إحداث تغييرات اجتماعية وسياسية واسعة في المجتمع المصري، بل كان هذا العداء مُعلن عنه في مناسبات عديدة تحت توصيفات مختلفة مثل «حروب الجيل الرابع» و«قنوات دعم الإرهاب» و«مصنع الشائعات». دأبت السلطة على إشاعة المخاوف حول تأثير استخدام منصات التواصل الاجتماعي، في حين أنها تستخدمها لنشر بياناتها وكأحد الأدوات الترويجية والدعائية للنظام السياسي وإنجازاته.

دائمًا ما يعلن الرئيس عبدالفتاح السيسي عداءه للإنترنت بعد توليه مقاليد الحكم، بوصفه رئيسًا للسلطة التنفيذية أو من خلال الهيمنة الكاملة على السلطة التشريعية والقضائية. دأب النظام على إغلاق مساحات التواصل بين الأفراد أو غلق ما تبقى من قنوات يمكن من خلالها تداول المعلومات، بعد أن أممت السلطة وسيطرت على ملكية الصحف والقنوات الفضائية الخاصة.

وفي ذات السياق، ارتكزت جهود السلطات المصرية على فرض حصار على مستخدمي الإنترنت باستغلال الأدوات التشريعية لتقنين مُمارسة الرقابة والمراقبة على وسائل الاتصالات من خلال تفعيل النصوص التشريعية القائمة مُتمثلة في قوانين الاتصالات والعقوبات واستحداث نصوص أخرى مثل قوانين مكافحة الإرهاب وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات.

لكن ومع استمرار نشر مقاطع فيديوهات المقاول محمد علي، ورد السيسي على ما جاء بها، تصاعدت وتيرة متابعة وتداول تلك الفيديوهات إلى أن وصلت لدعوات التظاهر ضد النظام، والاستجابة النسبية والمفاجئة يوم الجمعة 20 سبتمبر، وتكرار الدعوة للنزول يوم الجمعة 27 سبتمبر.

خلال هذه الفترة، حاول النظام استخدام الأدوات القانونية وغير القانونية كافة في سبيل إحباط أي حراك، ومحاولات حجب وإبطاء الوصول إلى بعض مواقع الويب والتطبيقات، خاصة لمستخدمي اﻹنترنت المحمول أو محاولات خنق الوصول لبعض التطبيقات ليواجه المُستخدمين صعوبة في تداول الصور والفيديوهات. وازدادت المخاوف حول نية النظام لممارسة حجب كامل لمواقع التواصل الاجتماعي أو حتى قطع الاتصالات في أسوأ الظروف، كما حدث في سابقة قطع الاتصالات في 2011. اعتاد النظام استخدام بعض هذه اﻷدوات خلال اﻷعوام الماضية، لكن عددًا آخر منها كان جديدًا.

قصة قديمة

أحد أهم اﻷدوات التي لجأت إليها الحكومة تمثلت في سلطة حجب المواقع. لم يذكر قانون الاتصالات المصري الحجب صراحة، لكنه منح بعض الجهات المصرية سلطات غير مُحددة، نص عليها باب الأمن القومي والتعبئة العامة في القانون، وهي نفس النصوص التي اعتمد عليها النظام المصري في قطع الاتصالات أثناء ثورة 25 يناير 2011.

قانون الاتصالات هو المنظم لقطاع الاتصالات ودور الأجهزة الحكومية وتشكيلها واختصاصها وحدود سلطتها، وقد أعطى القانون في هذا الباب صلاحيات واسعة لخمس جهات هي: القوات المسلحة ورئاسة الجمهورية ووزارة الداخلية وهيئة الأمن القومي وهيئة الرقابة الإدارية. وأعطى القانون لهذه الجهات صلاحية أن تُخضع لإدارتها جميع خدمات وشبكات اتصالات أي مشغل أو مقدم خدمة وأن تستدعي العاملين لديه القائمين على تشغيل وصيانة تلك الخدمات والشبكات، وذلك في حالة حدوث كارثة طبيعية أو بيئية أو في الحالات التي تعلن فيها التعبئة العامة وأي حالات أخرى تتعلق بالأمن القومي. كما يُلزم القانون كل مشغل أو مقدم خدمة أن يوفر على نفقته داخل شبكة الاتصالات المرخص له بها جميع الإمكانيات الفنية من معدات ونظم وبرامج واتصالات داخل شبكة الاتصالات والتي تتيح للقوات المسلحة وأجهزة الأمن القومي ممارسة اختصاصها في حدود القانون. ولم يُوضح النص ما هي طبيعة تلك الإمكانيات الفنية وما هي ضوابط استخدامها.

ذُكر الحجب صراحة لأول مرة في التشريعات المصرية مع قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، والذي أعطى سلطة الحجب كإجراء أولي للنيابة العامة أو جهة التحقيق بصفة عامة وبشكل استثنائي للجهات الشرطية. بعدها جاء قانون تنظيم الإعلام والصحافة، والذي تعامل مع الحجب كعقوبة يتم توقيعها من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، في حالة مخالفة بعض الضوابط الإعلامية التي ذكرها القانون وفصّلتها مجموعة اللوائح التي صدرت من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.

ورغم هذا، لم يتضح اﻷساس القانوني لحجب موقعي «بي بي سي» وقناة الحرة (كما لم يتضح اﻷساس القانوني لحجب مئات المواقع اﻷخرى خلال العامين اﻷخيرين، من بينها موقع «مدى مصر»). يوم الجمعة 20 سبتمبر، أبلغ العديد من المستخدمين عن بطء في الوصول للأخبار على موقعي «بي بي سي» و«الحرة»، كان الموقعان قد تناولا المظاهرات التي نُظّمت في عدد من الأماكن منها ميدان التحرير ونشرا مقاطع مصورة وتغطية صحفية للمظاهرات، ما يُرجّح أن يكون هذا سبب حجب الموقعين بالكامل في اليوم التالي (21 سبتمبر). وقد تم التأكد من أن السلطات المصرية قد حجبت موقع «بي بي سي» على شبكات فودافون و«We» واتصالات وأورانج، وموقع قناة الحرة على شبكتي فودافون و«We».

وبالبحث عن السند القانوني لحجب «بي بي سي» و«الحرة»، نجد أن تصريحات مكرم محمد أحمد، رئيس المجلس الأعلى للإعلام، تؤكد أن المجلس لم يتخذ قرار الحجب، حيث قال مكرم في أحد تصريحاته بشأن حجب «بي بي سي»: «من المُرجح أن تكون السلطات قد حجب موقع بي بي سي»، كما أن المجلس ليس من شأنه اتخاذ إجراءات تقنية مثل خنق الوصول واستخدام بعض تطبيقات المراسلة الفورية لعدم اختصاصه. أما عن النائب العام ووزارة الداخلية فسلطتهما مقيدة في كل الأحوال بعرض أمر الحجب على المحكمة، وهو ما لم يحدث حسب المعلومات المُتاحة حتى الآن، ويؤكد على ذلك خلو البيانات الصادرة من النائب العام ووزارة الداخلية من معلومات تتعلق بهذا الأمر.

حجب تطبيقات التراسل الفوري

كذلك لجأت السلطات إلى حجب عدد من تطبيقات التراسل الفوري:

«Wire»

في 21 سبتمبر، تأكد وجود محاولات لحجب تطبيق (Wire)؛ واحد من أهم التطبيقات الذي يُوصى به كتطبيق للتراسل الفوري الآن، ويوفّر تشفير من نوع End-To-End. بدأ الحجب على شبكة فودافون (3g/4g) حيث حُجبت مجموعة من النطاقات التي يستخدمها التطبيق ليعمل بطريقة طبيعية في إرسال واستقبال الرسائل والمكالمات الصوتية. وتستخدم هذه النطاقات عناوين «آي.بي» مُتغيّره مُقدّمة من Amazon AWS. فيما يلي النطاقات التي حُجبت:

https://prod-nginz-https.wire.com/

https://prod-nginz-ssl.wire.com/

https://prod-assets.wire.com/

https://wire-app.wire.com/

https://clientblacklist.wire.com/

بعد أن انتشرت النصائح التقنية التي تتناول بدائل تطبيقات التراسل الفوري الشهيرة، ركّزت السلطات المصرية على حجب هذه النوعية من التطبيقات. فبعد حجب «Wire»، تأكدنا من حجب موقع تطبيق Signal وموقع تطبيق Wicker على شبكة فودافون في 26 سبتمبر. وفي اليوم التالي، تأكدنا من قيام السلطات بحجب 14 موقعًا من مواقع تطبيقات التراسل الفوري:

  • على فودافون، حُجب Wickr، Signal ،Wire
  • على شبكة «We»، حُجب Wechat ،Line.me ،Surespot.me ،Pryvatenow Skype، ICQ، Groupme، Kik، Voxer، Zello، Trillian

الفحص العميق لحزم البيانات

أظهرت بعض القياسات التي أُجريت يومي (23 و24 سبتمبر) عن وجود مؤشرات ربما تعني أن السلطات المصرية تستخدم تقنية الفحص العميق للحزم (Deep packet inspection) في رقابتها على الإنترنت. وقد أكد ذلك تقرير صادر يوم 26 سبتمبر من المرصد المفتوح لاعتراض الشبكات (OONI) عن أن بعض مقدمي خدمة الإنترنت في مصر (كمثال شركة we) تقوم بالفعل بحجب المواقع عن طريق استخدام تقنية الفحص العميق لحزم البيانات (DPI).

تكتيكات جديدة

إلى جانب طرق الحجب المعتاد، توسعت السلطات في استخدام تكتيكات جديدة بشكل غير مسبوق. تقنيًا، حاولت السلطات حجب كل أو بعض خدمات عمالقة التواصل الاجتماعي وفي مقدمتهم تويتر وفيسبوك، كما حاولت التأثير على عدد من هذه الخدمات في نطاقات جغرافية محددة.

حجب تويتر 

أبلغ العديد من المستخدمين عن عدم قدرتهم على التعامل مع موقع تويتر يوم 24 سبتمبر. وبإجراء اختبارات وجمع القياسات، وجد أنه يُرجّح أن تكون السلطات المصرية قد حاولت حجب الموقع على شبكات فودافون و«we» وأورانج واتصالات. كما لوحظ أن الحجب الذي يتعرّض له تويتر متقطع، في بعض الأحيان يمكن الوصول له وفي أحيان أخرى لا يمكن. كما يُرجح قيام فودافون بخنق الاتصال لموقع تويتر (throttling).

ويُرجح تعرض جميع النطاقات التي تشترك مع twitter.com في نفس عناوين (آي.بي) للحجب على شبكتي «we» واتصالات بسبب قيام الشبكتين بحجب Twitter بالاعتماد على تكنيك TCP/IP blocking. كما رُصد أيضًا حجب جميع النطاقات السابق ذكرها على فودافون.

يستخدم نطاق تويتر الرئيسي عناونين (آي.بي): 104.244.42.65 و104.244.42.129. وهما نفس العناونين اللذين يستخدمهما تطبيق تويتر على أندرويد. وقد وُجدت مجموعة من النطاقات التابعة لتويتر والتي تستخدم نفس العناونين السابق ذكرهما:

jhpath.com

twitter.com

twitter.eus

twitter.hk

twitter.jp

Twitter.org

equity-app.com

milchreis.xyz

twittertrademarks.com

twopensource.com

فيسبوك ماسنجر

يُرجّح أن تكون السلطات المصرية قد حاولت حجب موقع فيسبوك ماسنجر (https://www.messenger.com) على فودافون و«we». وأبلغ المستخدمون عن ظهور رسالة «Waiting for network» من تطبيق ماسنجر على أندرويد، ورسالة «messenger is currently unavailable» على متصفحات الويب على الكمبيوتر، كذلك وجود بطء في الوصول لفيسبوك ماسنجر، ما يُرجح وجود خنق للاتصال به (throttling).

يعتمد فيسبوك وخدماته المختلفة، بما فيها فيسبوك ماسنجر، على شبكات توزيع المحتوى (CDN) ما يعني اختلاف عناوين (آي.بي) التي يعتمد عليها فيسبوك باختلاف عوامل متعددة، على سبيل المثال الموقع الجغرافي.

ويُرجح تعرض فيسبوك ماسنجر والتطبيق الخاص به على الهواتف المحمولة للحجب في مصر. الحجب الذي تعرّض له فيسبوك ماسنجر متقطع؛ في بعض الأحيان يمكن الوصول له وفي أحيان أخرى لا يمكن.

في 24 سبتمبر، بدا أن السلطات المصرية تُركّز على الإنترنت المحمول في ممارستها للرقابة على الإنترنت أثناء دعوات التظاهر، فقد رُصد حجب جغرافي لتويتر وفيسبوك في منطقة وسط المدينة بالقاهرة وميدان التحرير على شبكات الإنترنت المحمول المختلفة.

إذا لم تستطع السيطرة على الخدمة، حاول السيطرة على المستخدمين

لم تكتف السلطات بكل هذا. استخدمت القوات الشرطية وأجهزة جمع المعلومات التابعة لوزارة الداخلية وسيلة جديدة لاستهداف المواطنين، عن طريق الفحص العشوائي للهواتف المحمولة، وهي ممارسة لم يتم اتباعها قبل ذلك على نطاق واسع كما حدث في الأيام الماضية. فبعد أن كان الهدف الأساسي خلال الأعوام السابقة التركيز على مديري الصفحات وتتبع أنشطتهم وخصوصًا المُنخرطين في أنشطة تتعلق بالحركات السياسية أو روابط مُشجعي الأندية والعاملين بمجال الصحافة، باتت وزارة الداخلية تستخدم الكمائن لاستيقاف المواطنين والبحث في أنشطتهم على مواقع التواصل الاجتماعي ومتابعة منشورات الأصدقاء والصفحات التي يتابعها الشخص الذي يتم فحصه.

عملية الفحص لم تكن في الشارع ومن خلال الجهات الشرطية فقط، بل تمت أيضًا أثناء التحقيقات داخل النيابة، وهو ما يؤكد أن عملية القبض بالكامل كانت أمرًا عشوائيًا، حيث بُنيت أغلب التحقيقات على اتهام بنشر الأخبار الكاذبة، تلك الأخبار -رغم عدم دقة الوصف والتكييف القانوني- لم يتصل علم النيابة بها إلا أثناء التحقيق، وهو ما عبر عنه النائب العام نفسه في بيان، حيث أوضح أن النيابة «أصدرت أمرها بفحص صفحات وحسابات المتهمين على مواقع التواصل الاجتماعي» خلال التحقيقات، وهو ما يطرح سؤالًا عن الأساس القانوني للقبض إن لم تكن النيابة على علم بما نُشر! ما يُثير الدهشة أن عددًا من الذين خضعوا للتحقيق لم يكن لديهم حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي من الأصل.

تدل هذه الممارسة على أن النظام يرى أن دائرة المُشتبه بهم لم تعد محدودة، وأن الأجهزة التي تعمل على المراقبة الجماعية لمواقع التواصل الاجتماعي قد فشلت في احتواء كم المعلومات والتفاعل مع أحداث سبتمبر، وهنا بدأت فوضى القبض العشوائي والفحص الفوري للهواتف المحمولة. بالطبع الإجراءات المنهجية التي انتهجتها وزارة الداخلية تتعارض مع كل الحقوق التي يكفلها الدستور والوثائق الدولية التي وقعت عليها مصر، بل تتعارض مع قواعد الإجراءات الجنائية، بما يُشير إلى بطلان جميع الإجراءات التي ترتبت عليها، ولا يبرر صحتها قانون الطوارئ أو غيره.

سلسلة مقالات (عمالقةً بالون)

بدأ نشر سلسلة مقالات (عمالقةً بالون) في موقع مدى بتاريخ 6 سبتمبر 2019

من حسن الحظ أنه أُتيح لي استخدام الحواسيب والإنترنت في وقت مبكّر من حياتي. كأغلب جيلي، كان الإنترنت الأكثر تأثيرًا في أنماط التفكير والانحيازات. مع مرور الوقت وانخراطي في المجال العام الذي انفتح نسبيًا بعد 2003، أصبح الإنترنت منفذًا أساسيًا لي في تطوير نفسي وطريقة تفكيري، خاصة مع ظهور المدونات وتقنيات الوِب 2.0. وأظن أن الكثير ممن في عمري قد مروا بتجارب مشابهة على اختلاف اهتماماتهم.

في هذه المقالات، أعرض تجربتي حول كيفية تأثير الإنترنت والحواسيب وتطور تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات على تغيير أنماط التفكير والانحيازات، وحول الطريقة التي وظّف بها النشطاء المصريين هذا التطور في العمل السياسي والاجتماعي والحقوقي، حتى أصبح الإنترنت المنفذ الأخير المُتاح للمصريين بعد أن سيطرت السلطة تمامًا على المجال العام في مصر.

تقتبس المقالات عناوينها من «إعلان استقلال للفضاء السيبراني» الذي كتبة صاحب المواهب المتعددة جون پِري بارلو في سنة 1996. بارلو شاعر وكاتب أغاني وكاتب مقالات ومدون وناشط إنترنت. أسس هذا الإعلان، في وقت مبكر جدًا، فكرة وفلسفة عامة تجاه قضايا حرية الفضاء السيبراني وقضايا حرية التعبير والخصوصية والملكية الفكرية.

تتناول المقالات الفترة من النصف الثاني من التسعينيات حتى الآن، في محاولة لرصد المشاهدات ذات الصلة بالتطور في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وارتباطه بالمجال العام والدفاع عن الحقوق والحريات، وتأثير ذلك في الحراك السياسي والاجتماعي وتداول المعلومات والبيانات والإعلام الرقمي. تعرض المقالات مشاهدات مُبكّرة للوب العربي وكيفية تطور المشهد بدءً من صفحات الوب العربية البسيطة مرورًا بالمنتديات ثم المدونات وتقنيات الوب 2.0 والويكي واستخدام النشطاء للإنترنت كوسيلة للتنظيم والتجمع وممارسات الحكومات المتعاقبة للسيطرة على الإنترنت والإتصالات.

روابط مقالات السلسلة:

عن الحجب وعداء الدولة للإنترنت

هذا المقال نُشر أولا في موقع المصري اليوم بتاريخ 05-07-2017

في وقت وجيز من بدء الحكومة في حجب المواقع الإخبارية، ارتفع عدد المواقع المحجوبة في مصر إلى 118. كانت البداية في 24 مايو 2017، حيث نشرت وكالة الأنباء الرسمية (وكالة أنباء الشرق الأوسط) خبرا مقتضبا حول حجب 21 موقعا، كموقع مدى مصر وكل المواقع التابعة لقناة الجزيرة وغيرها. وتداول الإعلام أن الحكومة قد حجبتت المواقع الداعمة للإرهاب والتابعة لقطر، في سياق الحصار المفروض عليها من أربع دول عربية: مصر والسعودية والإمارات والبحرين.ميين» تؤيد قرار حجب المواقع: تهدد الأمن القومي

لم يكن حجب مواقع الإنترنت فعلا عدائيا جديدا من قبل السلطة الحالية، فموقف السلطة تجاه الإنترنت عدائي منذ البداية، ولم تتوقف محاولاتها المستمرة للسيطرة عليه. في منتصف سنة 2014، سربت الصحافة كراسة شروط لممارسة محدودة، أعلنت عنها وزارة الداخلية المصرية والتي تستهدف شراء تطبيقات تمكنها من مراقبة الشبكات الاجتماعية على الإنترنت، والتجسس على أنشطة المستخدمين. وفي سبتمبر 2014، كشف تقرير صادر من سيتزن لاب، عن استخدام مصر نظام بلو كوت، وهو نظام يمكّن من مراقبة تدفق البيانات على الإنترنت عبر تقنية Deep Packet Inspection، وإخضاع حزم بروتوكول الإنترنت للمعالجة والمراقبة. وفي يوليو 2015، كشفت الوثائق المسربة من شركة هاكينج تيم، قيام أجهزة الأمن المصرية بالتواصل مع الشركة للحصول على نظام RCS، وهو برنامج من النوع المستخدم لاستهداف أشخاص معينين، لمراقبة نشاطهم الرقمي. وفي نوفمبر 2016 حتى الربع الأول من عام 2017، تعرّض مجموعة كبيرة من النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان في مصر لهجمة استهدفت الحسابات المؤسسية والشخصية. ما يحدث أن السلطة الحالية تستكمل ما ورثته عن الأنظمة السابقة بمزيد من التصميم على السيطرة والتطوير. ففي عام 2011، اقتحمت مجموعات من الثوار مقار جهاز أمن الدولة، وعُثر بواحد من مقراته على وثائق تعود لعامي 2008 و2009 تثبت أن الحكومة المصرية قد حصلت على نظام FinFisher للتجسس على النشطاء المصريين.

يأتي حجب المواقع الإخبارية والإعلامية في ظل وضع مترد على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي في مصر، حيث أحكمت الدولة السيطرة على الإعلام التقليدي، وانحصر ظهور معارضين على شاشات القنوات الفضائية، ومارست الصحافة رقابة ذاتية خوفا من بطش السلطة، ولم يعد هناك حراك في الشارع المصري وداخل الجامعات المصرية، بعد التعامل العنيف مع المتظاهرين خلال السنوات الماضية، خاصة بعد إصدار قانون تنظيم التظاهر. فكان الإنترنت هو المساحة الأخيرة والمنصة الوحيدة المتاحة للمواطنين للتعبير عن آرائهم.

بعد الثورة المصرية في 2011 تعاملت الدولة مع الإنترنت والإعلام ومنظمات المجتمع المدني، باعتبارها كانت أسبابا أساسية لإسقاط النظام الأسبق، وعليه أصبح على الأجهزة الأمنية أن تسيطر عليها والقضاء على ما يمكن القضاء عليه. فعلى الرغم من إمكانية فهم تحرك الملايين في الثورة المصرية في سياق استبداد وتردي الأوضاع في عهد نظام مبارك وممارسات جهاز الشرطة المصري، وهو التفسير الأكثر منطقية. فالإعلام وقت مبارك لم يتمتع بمطلق حريته ولم يكن في صف الثورة بل كان في أغلبه ضد تحركات الملايين في 25 يناير وما تلاها، ومنظمات المجتمع المدني لم تكن مؤثرة في تحركات الشارع واقتصر دورها على تقديم الدعم القانوني وتوثيق الانتهاكات، وهو عمل اعتيادي كانت المنظمات تقوم به منذ فترة طويلة سابقة على الثورة، إلا أن السلطة الحالية، منذ أن جاءت، وهي تسعى لتدجين الإعلام والسيطرة التامة عليه، وهو ما نجح فيه بالفعل، لتتحول الكثير من القنوات الفضائية والصحف إلى أدوات استقطاب وتضليل، في نفس الوقت الذي تُرهب فيه السلطة منظمات المجتمع المدني، وهي الآن في مرحلتها الأخيرة للقضاء تماما على وجودها المستقل، إما عبر قانون تنظيم عمل الجمعيات الأهلية الذي أُقرّ مؤخرا يوم 24 مايو 2017، وهو نفس يوم بداية حجب المواقع، أو من خلال تقديم العديد من المدافعين عن حقوق الإنسان للتحقيق والمحاكمات والتحفظ على أموال بعضهم. وعلى أي حال، لا يمكن أن ننظر إلى عداء السلطة للإنترنت ومراقبته و ممارسة حجب مواقع الويب في مصر خلال الفترة السابقة في سياق منفصل عن رؤية الدولة تجاه ما تراه- جهلا- أدوات تسببت في إسقاط نظام مبارك.

وربما ترجع قناعة الدولة وأجهزتها الأمنية بخطورة الإنترنت؛ لتاريخ من استخدامه من قبل حركات التغيير السياسي والاجتماعي في السنوات التي سبقت ثورة يناير. فقد استخدم النشطاء المدونات، ثم الشبكات الاجتماعية، في تناول العديد من القضايا الحقوقية، كقضايا التعذيب في أقسام الشرطة والتحرش الجنسي وتغطية المظاهرات التي دعت لها حركات التغيير، كما لعب الإنترنت دورا في الحشد للعصيان المدني في 6 أبريل 2008. لاحقا، في نهاية 2010، أطلقت صفحة (كلنا خالد سعيد) دعوة للتظاهر في 25 يناير2011 بميدان التحرير، وهي الدعوة التي تحولت لثورة شارك فيها ملايين المصريين وأسقطوا واحدا من أقوى الأنظمة المستبدة في المنطقة العربية. وفي أحداث الثورة ، لم يقتصر استخدام الشبكات الاجتماعية على الدعوة للمظاهرات وحسب، بل استُخدم أيضا في التنظيم وتوجيه المتظاهرين، بداية من نشر نشطاء لخرائط توضّح خط سير المظاهرات في الأماكن المختلفة، حتى توظيف تويتر لتحذير المتظاهرين من أماكن التواجد الأمني المكثف في الأماكن المختلفة، مما جعل النظام يحجب موقعي فيسبوك وتويتر، ثم يقطع الاتصالات تماما عن كامل الأراضي المصرية، باستثناء خدمة الهاتف الأرضي، وخدمة الإنترنت من شركة نور، التي تمتلك حصة ضئيلة من سوق خدمات الإنترنت في مصر.

لم يغب مجلس النواب المصري عن مشهد عداء الدولة للإنترنت وللشبكات الاجتماعية ولتداول المعلومات والأخبار عبرها، فقد كان حجب المواقع حاضرا في مشروع قانون الجريمة الإلكترونية المقترح من أحد أعضاء مجلس النواب المصري في مايو2016، حيث جاءت مسودة القانون في 30 مادة لا تهدف لمكافحة الجريمة الإلكترونية بقدر ما تسعى للسيطرة على الإنترنت ومستخدمي الشبكات الاجتماعية وفرض رقابة ذاتية على المستخدمين عن طريق الترويع بعقوبات قاسية على ممارسات اعتيادية يومية يقوم بها معظم مستخدمي الشبكات الاجتماعية، وهو القانون الذي اقترحه النائب تامر الشهاوي، الضابط السابق. كما اقترح أحد أعضاء مجلس النواب إصدار قانون يُلزم المستخدمين المصريين بالحصول على ترخيص لاستعمال الشبكات الاجتماعية. أيضا ظهرت مطالبات برلمانية لحجب المواقع، وفرض رقابة على الإنترنت، حيث أعلن أعضاء من مجلس النواب المصري عن سعيهم لإصدار قانون لحجب المواقع الإباحية، والمواقع التابعة لتنظيمات مسلحة. ومن أغرب المقترحات الصادرة عن أعضاء بمجلس النواب في أبريل 2017 دعوة نواب من مجلس النواب المصري لسن قانون يُلزم مستخدمي الشبكات الاجتماعية في مصر بدفع مبلغ مالي شهريا مقابل استخدامهم فيسبوك.

الحل في اللامركزية

حذّر الرئيس عبدالفتاح السيسي في أحد لقاءاته المُذاعة على التليفزيون مما يتم تداوله على شبكات التواصل الاجتماعي قائلا: “أنا بتكلم دلوقتي وإنتو شايفني، لو أنا بتكلم من ورا وسائل الاتصال المختلفة إنتو مش شايفني ولا تعرفوا أنا تبع إيه، ولا بهدف من ورا ده إيه” ويستكمل في نفس اللقاء :”أنا ممكن بكتيبتين أدخل على النت وأعملها دائرة مقفولة والإعلاميين ياخدوا أخبار وشغل منها”. هكذا يرى الرئيس السيسي الإنترنت وكيف يمكن السيطرة عليه.

فعليا لا يبدو أنه يمكن السيطرة على الإنترنت، لا بحجب ولا بكتائب ولا بغيرهما. بشكل عام، لم يكن الحجب مانعا للمستخدمين من الوصول لما يريدونه من محتوى، فنجد أنه على الرغم من حجب المواقع الإباحية في دول مثل المملكة العربية السعودية وباكستان وغيرها، إلا أن هذه الدول تعتبر من أكثر الدول المستهلكة للمواد الإباحية. ما يحدث أنه عند حجب المواقع يسعى المستخدمون تلقائيا لإيجاد طرق لتجاوزه، وعلى مدى غير طويل يكتسب المستخدمون ثقافة تجاوز الحجب، وتصبح من بين مهاراتهم التقنية الأساسية.

كانت المواقع المصرية المحجوبة قد قامت ببعض الإجراءات لمواجهة الحجب. بعض المواقع أصبحت تنشر كامل محتواها على صفحاتها بفيس بوك، والبعض الآخر اتجه لمنصات نشر بديلة لم يتم حجبها كخدمات التدوين، وجزء من المواقع قام بإنشاء نطاقات جديدة لمواقعهم، بالإضافة لاستخدام خدمات شبكات توزيع المحتوى (CDN) حيث تستضيف المواقع المحجوبة محتواها على خواديم تابعة لشركات كجوجل على سبيل المثال، بحيث يصبح حجب هذه المواقع يعني أيضا حجب خدمات جوجل.

أصبح استهلاك المواد الرقمية بشكل عام واحدا من الاحتياجات الأساسية، يسعى الجميع لإيجاد طرق للحصول عليها. فما تقوم به دول مثل مصر بحجب المواقع والخدمات يقابله تحركات عالمية واسعة لإيجاد طرق بديلة لتداول البيانات على الإنترنت دون أن يكون للحكومات والشركات سلطة عليها. تبدو الأفكار حول الشبكات غير المركزي، هي الأكثر رجاحة في مواجهة محاولات السيطرة على الإنترنت. تلعب الحكومات والشركات دورا أساسيا في تشغيل الإنترنت التي نعرفها اليوم، سواء ما يتعلق بتوفير خدمة الإنترنت نفسها وخواديم التوجيه و الخواديم المُعدّة لاستضافة المواقع والتطبيقات والخدمات، وبالتالي فإنه يمكن التحكم بتطبيقاته ومحتواه من قبل الشركات والحكومات، ولا يمكن الحفاظ على خصوصية المستخدمون، فبياناتهم تخضع لسلطة مقدمي الخدمات و وسطاء الإنترنت. أما مصطلح الشبكات اللامركزية، فيستخدم للإشارة إلى سلسلة من التقنيات أن تحل محل العديد من بروتوكولات الاتصال والشبكات والخدمات الحالية، بحيث تكون استضافة المحتوى والتطبيقات والخدمات مُشاركة من قبل المستخدمين أنفسهم وموزعة على حواسيبهم فلا يمكن السيطرة عليها أو فرض رقابة عليها من قبل حكومات أو وسطاء. مشاركة الملفات عبر التورنت واحدة من تطبيقات الشبكات اللامركزية، وتستخدم هذه النوعية من البرامج بروتوكول “بت تورنت” لمشاركة الملفات عبر الإنترنت، بحيث لا تكون الملفات المُشاركة مُخزّنة بخادوم مركزي، بل تُقسم الملفات إلى عدد من الأجزاء الصغيرة، ثم تُوزّع هذه الأجزاء بشكل عشوائي بين المستخدمين بحيث تعمل كل حواسيب المستخدمين المُستضيفة لملف معين كخادوم، في حين يعمل حاسوب المستخدم الذي يُريد تحميل الملف كعميل، وبعد اكتمال تحميل الملف على حاسوب مستخِدم ما يتحول بدوره ليعمل كخادوم لمستخدمين آخرين.

تجتهد العديد من المجموعات التي آمنت بحرية الإنترنت وحرية المعلومات في إيجاد أدوات وشبكات غير مركزية وغير قابلة لسيطرة الحكومات والشركات العملاقة العاملة في مجال التكنولوجيا عليها. أحد أهم تلك التجارب هي مشروع “صندوق الحرية” التي تسعى لبناء شبكات غير مركزية يتحكم فيها المستخدمون في بياناتهم بأنفسهم ولا يمكن للحكومات أن تسيطر عليها، وهو عبارة عن خادوم صغير، يحتاج لإعدادات بسيطة وسهلة لتشغيله، ورخيص الثمن، ويمكن لأي شخص الحصول عليه، وكل اتصالاته مُشفرة، ويوفّر كل ما يريده المستخدمون من إمكانيات. كل ما سيكون على المستخدم فعله هو شراء خادوم “صندوق الحرية”، وتشغيله، وتوصيله بالإنترنت. بعدها يستطيع المستخدم التعامل معه في كل ما يريده مثله مثل أي خادوم آخر، كالتواصل الاجتماعي والبريد الإلكتروني والدردشة الصوتية والمرئية وغير ذلك. تخيل شبكة اجتماعية تعمل بشكل غير مركزي عبر مجموعة من خواديم (صندوق الحرية) باتصالات مُعمّاة ، لا تُديره شركة مركزيا، ولا يمكن حجبه.

أما مشروع تور TOR فيوفّر متصفح آمن للمستخدمين، ويعمل على مختلف المنصات: ويندوز ، وماك ، ولينكس ، وأندرويد، وأي أو إس. يعمل متصفح تور عبر شبكة غير مركزية مؤلفة من آلاف الخواديم التي يديرها متطوعون. و يوفّر تصفح مواقع الإنترنت المختلفة في حالة تخفي، حيث يمر اتصال المستخدم عبر مجموعة من العقد من خلال مسارات معماة، موزّعة في أماكن جغرافية مختلفة، فلا يمكن الكشف عن هوية المتصفح ولا مكانه ولا يمكن حجب محتوى عنه. ولا يمكن حجب خدمة تور نفسها، فحتى مع حجب موقع “مشروع تور”، كما حدث في مصر، يمكن للمستخدمين الحصول على المتصفح عبر البريد الإلكتروني أو من خلال التورنت أو من الكثير من المواقع غير المحجوبة التي تتيح تحميله.

زيرو نت Zeronet هي تجربة أخرى حديثة نسبيا بدأت في عام 2015، تعمل كشبكة غير مركزية تُمكّن مستخدميها من استضافة المواقع الإلكترونية بشكل مشترك من خلال شبكة توزيع غير مركزية مُؤلفة من المستخدمين، بحيث يتشارك المستخدمون استضافة البيانات على حواسيبهم، وهي نفس الطريقة التي تعمل بها خدمات التورنت، فشبكة زيرونت تعمل من خلال بروتوكول بيتورنت. كما تعتمد الشبكة أيضا على تقنية التعمية المستخدمة في عملة بيتكوين الرقمية. الخدمات التي تتاح على زيرونت سواء كانت مواقع إلكترونية أو تطبيقات دردشة وشبكات اجتماعية لا يمكن التحكم فيها من قبل الحكومات أو الشركات التي تزود المستخدمين بخدمة الإنترنت، ولا يمكن حجب أو إزالة محتواها.

تعتبر دولة مثل كوبا من أقل الدول اتصالا بالإنترنت، بل إن لديها إنترنت محليا تٌسيطر عليه الدولة بشكل تام، وهو ما لم يكن يُرضي المستخدمين في كوبا، فنشأ حل بديل للحصول على المواد الرقمية، عبر استخدام ما أطلق عليه الكوبيون الباكت (Paquete) وهو حل مبتكر عبارة عن قرص تخزين يحتوي على مواد رقمية مُنوّعة كالمجلات والصحف والأفلام والمسلسلات والبرامج التلفزيونية ومواقع بأكملها يمكن تصفحها دون الحاجة للإنترنت، مثل نسخة اللغة الاسبانية من ويكيبيديا. هذا القرص يُحدّث محتواه إسبوعيا (كل يوم ثلاثاء). مخترعو الباكت والقائمون على تحديث محتواه غير معروفين، إلا أن المواد الرقمية التي يُشاركوها عليه تصل أسبوعيا لملايين المستخدمين.

هناك العديد من التجارب والمشاريع التي تسعى لإتاحة شبكات غير مركزية، لا يمكن السيطرة عليها. ففي الوقت الذي تعمل فيه دول العالم على السيطرة على تداول المعلومات على الإنترنت بدعوى محاربة الإرهاب والحفاظ على الأمن القومي، يعمل آلاف المتطوعين من مختلف أنحاء العالم على إبقاء الإنترنت مفتوحا وحرا، دون تحكم من حكومات أو شركات عملاقة متعددة الجنسيات، فما يوفره الإنترنت وتطبيقات الويب واجتهادات العديدين ممن آمنوا بحرية الإنترنت وحرية المعلومات يقف بصلابة ضد السيطرة على الشبكة وتدفق المعلومات من خلالها.

نبوءة الوِب وتاريخه: المعرفة منّا وعلينا

هذا المقال نُشر أولا في موقع مدى بتاريخ  01-03-2017

في ستينيات القرن الماضي ابتكر جوردون مور، المؤسس المُشارك لشركة «إنتل»، قانونًا يَحكُم التطور التقني لقدرات الحواسيب في معالجة البيانات، وبمفاده فإمكانيات الحاسوب تتضاعف كل سنتين تقريبًا؛ سرعة المعالجات بالحواسيب وسعة الذاكرة وكل شيء تقريبًا. ورغم أن قانون مور لا يعتمد على أُسُس الفيزياء والرياضيات بقدر ما يعتمد عن رؤية لاتجاه صناعة الحواسيب والمعالجات، إلا أنه نُفّذ من قبل مُصنعي الحواسيب، حتى وصلنا إلى أن تكون الآلة الحاسبة التي يستخدمها الطلاب الآن أقدر على معالجة البيانات من الحاسوب، الذي أدار مهمة أبولو 11 التي قادت البشر لأول مرة للنزول على سطح القمر!

ومع تغيُّر سلوكيات الاستهلاك وانصباب تركيز شركات تصنيع الحواسيب على سد احتياجات السوق، صار لزامًا على ما تُصنّعه أن يُلبّي احتياجات المستهلكين، فلم يعد التصنيع مُركَّزًا على احتياجات الشركات الكبرى ومراكز البيانات أو حتى الحواسيب المكتبية والمتنقلة، وإنما أصبح ما يحدد تطور الحوسبة الآن هو احتياجات سوق الهواتف الذكية  والحواسيب اللوحية والأجهزة القابلة للارتداء كالساعات الذكية وتقنيات الحوسبة السحابية، لذا ترى التنبؤات أن 2020 قد يشهد موت قانون مور.

في عشرينيات القرن الماضي تنبأ العالم نيكولا تيسلا بالإنترنت والهواتف الذكية وتطبيقات الويب. كان يرى أن الأرض ستُغطى بشبكة عملاقة، كل شيء سيكون داخل هذه الشبكة ومتوافقًا معها، وسيكون البشر قادرين على التواصل لحظيًا مع بعضهم بغض النظر عن المسافات الفاصلة بينهم من خلال تقنيات تجمع بين التلفاز والهاتف، والأداة التي سيستخدمها البشر في ذلك ستكون أبسط وأصغر حجمًا من هاتف العشرينيات، ويستطيع الإنسان حملها في جيبه. جميعنا يحمل نبوءة تسلا الآن في جيبه، وغالبًا تقرأ منه هذه السطور.

وفَّرت الحواسيب إمكانية لتبادل البيانات والمعلومات دون استهلاك وسائط تخزينها، وزادت من عمر بقاءها، أو ربما خلّدته. فمع ظهور الحواسيب المكتبية وانتشارها أصبح بإمكان الجميع تبادل ملفات تحتوي آلاف البيانات والمعلومات بسهولة. وحتى قبل انتشار استخدام الإنترنت، وفي وقت لم تكن فيه خدمة الإنترنت مُؤَهّلة لتبادل ملفات ضخمة، كان المستخدمون يلجؤون لتبادلها بشكل مباشر عبر وسائط التخزين المتاحة، وبطرق كانت شديدة الانتشار في تسعينيات القرن الماضي ولا تُكَلّف مالًا؛ فقط يربط المستخدمُ القرصَ الصلبَ بحاسوب آخر يريد نقل ملفات منه. ظلت هذه الطريقة منتشرة جدًا لنقل البيانات بين المستخدمين حتى بداية الألفينات، ووفرّت استهلاك أقراص CD أو الأقراص المرنة «فلوبي ديسك». وبينما تُستهلك أو تُفقد وسائل النشر التقليدية كالورق، كانت الصيغ الرقمية لتبادل البيانات لا تُستهلك ويمكن نسخها لعدد لا نهائي من الأفراد دون تعريضها للنفاد أو الاستهلاك. كانت ثقافة مشاركة البيانات والمعلومات، وما تزال، واحدة من أهم القيم الأكثر تأثيرًا في تطور المجتمع الرقمي.

كانت المعلومات وتداولها في صلب التفكير في بناء الوِب، والذي يختلف عن الإنترنت، فالأخير هو شبكة ضخمة تصل بين مجموعة ضخمة من الحواسيب والخواديم، بينما الوِب هو النظام الذي يسمح بتنقل المستخدم بين صفحات باستخدام مُتَصفِّح، ويعمل فوق الإنترنت.

كان تيم بيرنرز لي، مخترع الوب، واحدًا من العلماء الذين آمنوا بضرورة إتاحة وسيلة سهلة لنقل وتداول المعلومات عبر الإنترنت. وفي 1989 عرض تيم فكرة الترابط بين النصوص على الإنترنت بما يسمح للمستخدمين بالانتقال فيما بين الصفحات باستعمال مُتصفِّح للإنترنت، وتتوفر هذه الصفحات عبر خواديم متصلة بالإنترنت تقوم على إرسال الصفحات ومحتواها بناء على طلب المستخدم، وهي الفكرة التي عُرفت لاحقًا بالـ«وِب». في صيف 1991 أطلق بيرنرز لي أول برنامج لتصفح الإنترنت. وفي 1993 ظهر متصفح للإنترنت باسم «موزاييك» وأصبح بإمكان المستخدمين الوصول لصفحات إنترنت بها نصوص وصور ومقاطع مصورة، والتنقل فيما بين هذه الصفحات بسهولة. وأتت النقلة الأكثر تأثيرًا مع ظهور متصفح «نتسكايب» في 1994 و«إنترنت إكسبلورر» في 1995، وفي نفس الوقت أصبح هناك تواجد للعديد من وكالات الأنباء والمؤسسات الصحفية على الإنترنت.

في سنة 1993 كان عدد مواقع الإنترنت 130 موقعًا، ووصل إلى 100 ألف موقعًا بعد ثلاث سنوات فقط. وبحلول عام 1998 كان هناك 50 مليون مستخدم إنترنت في العالم، بمقدورهم تبادل ومشاركة المعلومات والبيانات.

ولأن الوِب نشأ بالأصل لإيجاد أسهل الطرق لتبادل المعلومات، وبحد قول تيم بيرنرز لي، فإن «الحلم وراء الوب هو أن يكون مجالًا معلوماتيًا مشتركًا، حيث يمكننا التواصل من خلال تبادل المعلومات»، فقد تنوعت المواقع التي ظهرت مبكرًا بين مجالات الإعلام والفن والثقافة والسياسة والعلوم والدين والتجارة. في كل المجالات سنجد مواقع ظهرت مبكرًا تتداول البيانات والمعلومات حول تخصص أو مجال اهتمام بعينه. فنجد على شبكة الإنترنت منذ عام 1990 موقع «قاعدة بيانات الأفلام على الإنترنت»  وموقع «أرشيف الماركسيين على الإنترنت».  وظهر موقع arXiv المهتم بأرشفة الأوراق العلمية في تخصصات الفيزياء والفلك والرياضيات وعلوم الحاسب وغيرهم في عام 1991، وفي نفس العام أيضا ظهر موقع AllMusic الذي يقدم خدمة الاستماع للموسيقى، وموقع ZDNet الذي يقدم أخبارًا متعلقة بالتقنية.

وفي عام 1992 ظهر موقع Spunk Library كمكتبة لدعم وتشجيع ناشري الكتب والصحف والمجلات الأناركيين. وفي عام 1993 ظهر موقع «بوابة الكتاب المقدس.. BibleGateway» الذي يوفّر الكتاب المقدس باللغتين الإنجليزية والفرنسية، وهو نفس العام الذي ظهر فيه موقع Access to Insight الذي يقدم موادًا مترجمة تتعلق بالديانة والفلسفة البوذيتين، وموقع Capitol Fax الذي يقدم نشرة سياسية يومية تغطي ولاية إلينوي الأمريكية، وموقع Nifty Erotic Stories Archive والذي تخصص في نشر القصص الجنسية، وموقع Simtel الذي عمل كمستودع وأرشيف للبرامج المجانية لأغلب أنظمة التشغيل.

شهد عام 1994 المزيد من التطورات في الويب، فمع انتشار مستخدمي الإنترنت والحواسيب ظهرت مواقع أخرى شهيرة في هذا العام، مثل موقع ياهوو وأمازون وموقع بي بي سي وموقع HotWired والذي يعتبر أول مجلة هادفة للربح على الوب، وموقع WebMuseum، وهو أحد أوائل المواقع التي عملت كمتحف افتراضي على الوب، كما ظهر موقع البيت الأبيض في نفس العام أيضًا، بالإضافة لموقع GeoCities والذي مكّن العديد من مستخدمي الوب من إطلاق صفحات إلكترونية على الوِب، ويعتبر واحدًا من أهم المواقع التي ساهمت في تطور المحتوى على الِوب.

كان الوِب العربي أيضًا حاضرًا في وقت مبكر نسبيًا. رغم وجود مشاكل تتعلق باللغة العربية وترميزها وبعدد مستخدمي الإنترنت في المنطقة العربية، إلا أن عددًا من المواقع العربية ظهر منذ عام 1995. على غرار موقع «موقع أمريكا أون لاين.. AOL» ظهر موقع Arabia.com، الذي كان ينشر أخبارًا ومقالات واستفتاءات تتعلق بالمنطقة العربية، ثم تطور لاحقًا ليقدم خدمات تتعلق بالإنترنت كاستضافة المواقع الإلكترونية والبريد الإلكتروني، واستمر الموقع في العمل حتى عام 2003 وهو عام إغلاقه، كما ظهر أول موقع لشركة «صخر» العربية، وهي شركة تقنية رائدة في المنطقة العربية انتشرت حواسيبها في فترة مبكرة من التسعينيات في الدول العربية. وفي عام 1997 ظهر موقع «نسيج» وموقع قناة «الجزيرة الإخبارية»  وفي نفس العام ظهر موقع «أين» والذي كان يشبه كثيرًا موقع «ياهوو»، حيث قدّم خدمات متعددة كالأخبار والدردشة والبريد الإلكتروني، ودليلًا للمواقع الإلكترونية على الشبكة. كما عمل الموقع كمحرك بحث، بالإضافة لتوفيره خدمة لإنشاء الصفحات الإلكترونية.

وفي النصف الثاني من التسعينيات انتشر الإنترنت أكثر في المنطقة العربية وظهرت العديد من المواقع الإلكترونية العربية والمنتديات، وما يزال بعضها يعمل إلى الآن.

كانت المنتديات مساحة جيدة للنقاش ولتبادل المعرفة والبيانات بين المستخدمين. كان عالم المنتديات في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي  شديد الثراء بالمحتوى؛ يمكنك طرح موضوع للنقاش وتلقي عشرات أو مئات الردود عليه من مستخدمين آخرين. وفي دول كدول المنطقة العربية شكّلت المنتديات مساحة للنقاش حول قضايا غير مطروحة للنقاش أو تداول المعلومات حولها في وسائل الإعلام والنشر التقليدية. كان هناك العديد من المنتديات التي ظهرت مبكرًا، واستخدمها آلاف من الدول العربية في نقاشات تنوعت بين الثقافي والديني والسياسي والتقني، وكانت مساحة جيدة للتعارف، خاصة بين متقاربي الأفكار والاهتمامات.

في نفس الفترة كانت الحكومات العربية قد وعت جيدًا بما يمكن للإنترنت والوِب والمساحة المُتوفّرة لتبادل المعلومات تغييره. وفي نهاية التسعينيات وقعت ملاحقتان أمنيتان ضد مستخدمي إنترنت عربي، الأولى كانت ضد مهندس أردني مقيم بأمريكا واعتُقل في الأردن بتهمة الإساءة للملك، والثانية كانت مُحاكمة ستة شباب سعوديين بتهمتي ذم الإسلام وإهانة المملكة العربية السعودية.

حتى المؤسسات الحقوقية ومجموعات المدافعين عن حقوق الإنسان استخدمت الوِب مبكرًا لنشر معلوماتها وبياناتها المُتعلّقة بحقوق الإنسان، فنجد العديد من منظمات حقوق الإنسان بادرت بإنشاء مواقع إلكترونية خاصة بها، مثل «هيومان ريتس واتش» التي أنشأت موقعها الإلكترونية في 1996، وأُدخلت اللغة العربية كأحد لغات الموقع في 1998، و«منظمة العفو الدولية» التي أطلقت موقعها الإلكتروني أيضًا في 1996، ونشرت بعض إصداراتها باللغة العربية، إلا أن ظهور اللغة العربية كقسم منفصل في موقعها قد حدث لاحقًا.  وكان للمنظمات العربية أيضا تواجد مبكّر، فهناك بعض المنظمات التي أنشأت مواقع إلكترونية لها، وإن كان أغلبها بالإنجليزية، وربما كان ذلك لمشاكل تتعلق بترميز اللغة العربية في متصفحات الإنترنت وقتها. كان موقع «مركز المساعدة القانونية لحقوق الإنسان» هو أول موقع مصري لمنظمة حقوقية على شبكة الإنترنت، وظهر في عام 1998، وفي نفس العام ظهر موقع مؤسسة «الحق» في فلسطين. كما كان لبعض الصحف العربية تواجد على الإنترنت في فترة مبكرة. في عام 1997 ظهرت جريدة «السفير» اللبنانية بنسخة رقمية على الإنترنت، وهو نفس العام الذي ظهر فيه موقع قناة «الجزيرة القطرية».  كما ظهر موقع ArabTimes كموقع تشرف عليه مجموعة من العرب المقيمين في أمريكا وكان يتمتع بمساحة واسعة من الحرية في النشر المقالات والأخبار السياسية. وفي 1998 ظهرت جريدة «الأهرام» المصرية.

ومع تطور الويب و المواقع الإلكترونية ومحركات البحث على الإنترنت، والبريد الإلكتروني وانتشاره، والقوائم البريدية والمنتديات، وتطبيقات الدردشة  ثم تطبيقات وِب 2.0 كالمدونات والشبكات الاجتماعية، والهواتف الذكية المتطورة والحواسيب اللوحية، تضخّم حجم البيانات المتاحة على الشبكة، وأصبحت طرق الوصول إليها أكثر سهولة. فالشخص الذي  يلتقط صورة لمعلَم محلّي ويكتب عنها نصًا وينشرها مباشرة على الإنترنت في أقل من دقيقة،  يُغذّي الإنترنت بمعلومات عن الموقع الجغرافي الذي التُقطت الصورة فيه ووقت التقاطها، بالإضافة للصورة نفسها والمعلومات المكتوبة عنها. كل هذا بالإضافة للجامعات التي تنشر موادها الدراسية أو ترقمن مكتباتها على الإنترنت، أو مواقع التعليم  عن بُعد والمواقع الإخبارية، والمؤسسات البحثية والعلمية، والناشرين والحكومات التي تنشر محتوى عبر الإنترنت، وحتى الذكاء الاصطناعي وتطوره إلى أن أصبح يُنتج محتوى جاهزًا للنشر على الشبكة، كل ذلك يساهم في تغذية الشبكة بمليارات البيانات يوميًا.

استخدم المهتمون بالشأن العام والسياسي في مصر والمنطقة العربية الإنترنت منذ نهاية التسعينيات  وبداية الألفينات في التعبير عن آرائهم ونقاشاتهم ونشر المعلومات والبيانات، سواء عبر المنتديات أو عبر مواقع أنشأها مستخدمون منخرطون في العمل السياسي، غير أن ظهور الوِب 2.0 وتطبيقاته فتح مساحات أكثر مما كان يمكن تصورها، وأصبح الإنترنت المنصة الأساسية لنشر وتداول المعلومات.

في عام ٢٠٠٣ كانت الأمور في بغداد شديدة السوء؛ اجتياح أمريكي وهروب الجيش وانقطاع لوسائل الاتصالات ومجازر لمدنيين وبلد بأكمله يُدمّر، وكالات الأنباء العالمية والصحف الدولية تحاول تغطية الأحداث، وكتاب الأعمدة في صحف عالمية يحللون ما يحدث، والجميع يتلقفون أخبارًا من هنا وهناك. في هذا الوقت ظهرت مدونة «أين رائد؟» لمحرر عراقي يكتبها  تحت اسم مستعار هو «سلام باكس»، وهو واحد من أشهر المدونين في العالم. اعتمدت الصحف ووكالات الأنباء الدولية على ما ينشره المدون العراقي بمدونته كيوميات عمّا يحدث في العراق، وعرف العالم لاحقًا أن وراء هذا الاسم المستعار شابًا عراقيًا من أم شيعية وأب سني يُدعى سلام عبد المنعم الجنابي. ولاحقًا بدأ سلام يكتب بانتظام في صحيفة الجارديان.

مر تطوُّر استخدام الوِب في تبادل المعلومات ذات الصلة بالشأن العام في مصر بمراحل اتسمت بسرعتها وتأثيرها. ففي عامي 2004 و2005 كانت حركة «كفاية» قد بدأت تقيم مظاهرات رافضة لتوريث الحكم من مبارك الأب للابن، وفي نفس الفترة كانت أول انتخابات رئاسية بين مرشحين عديدين، وحالة من الزخم السياسي كانت قد ظهرت في الشارع. انبثقت عن حركة كفاية مجموعات أخرى منها «شباب من أجل التغيير»، واستُخدم الإنترنت كأحد طرق التواصل فيما بينهم. حركة «كفاية» نفسها دشنت وقتها موقعًا إلكترونيًا ومنتدى للنقاشات السياسة باسم «مندرة كفاية» كما استخدم الشباب برنامج «بالتوك» والمدونات في ترويج أفكارهم تجاه قضايا التغيير. وفي هذه الفترة ظهرت المدونات كمنصات إعلامية يستخدمها النشطاء في تداول أخبار فاعلياتهم في الشارع. وكان من المألوف في المظاهرات وقتها أن يوزع بعض المدونين ورقة بها عناوين إلكترونية لأهم المدونات المصرية ذات الطابع المتصل بالشأن العام المصري، واحدة من هذه الأوراق حملت عنوان «الأخبار منّا وعلينا»، وهو نفس العنوان الذي يمكن أن يلخص ما يحدث منذ السنوات الأولى للألفينيات وحتى الآن: نحن الإعلام.. نحن مصدر المعلومات.

تطور استخدام الإنترنت في تداول المعلومات حتى ظهر موقع «ويكيليكس»، ليُغيّر الإنترنت مفهوم المعلومات المُتاحة للجمهور، فتخرج مراسلات دبلوماسية حساسة بين دول كبرى ويكتشف العالم كيف تُدار العلاقات بين الدول والشركات العملاقة متعددة الجنسيات التي تتحكم في اقتصاد العالم، وكيف تتجسس دول تتشدق بقيم الديمقراطية على حكومات دول أخرى حليفة لها. ثم تأتي تسريبات إدوارد سنودن حول مراقبة الاتصالات والإنترنت من قبل الحكومة الأمريكية و دول أخرى كبريطانيا وكندا واستراليا وحتى بعض الدول العربية، لتثبت أيضًا مدى خوف الحكومات من قوة وتأثير المعلومات المُتاحة على الإنترنت وتداولها.

ما يحدث الآن هو أن تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، والوب وتطبيقاته، حوّلوا كل من يمتلك حاسوبًا ووسيلة اتصال بالإنترنت من مجرد قارئ/ مُتلقٍ، إلى ناشر/ مُنتج محتوى. والمفارقة هنا أن التطور التكنولوجي لقانون مور لم يعد متناسبًا مع الزيادة الضخمة في البيانات، بعد أن أصبح كل شخص قادرًا على إنتاج و نشر المعلومات/ البيانات/ المعرفة، فبينما يتناول القانون تضاعف قدرات الحواسيب في معالجة البيانات كل سنتين، فإن الواقع يؤكد أن البيانات على الإنترنت تتضاعف عشر مرات كل سنتين، ما يعني أنه ليس بإمكان التطور التكنولوجي الحاصل الآن معالجة كل ما يُنتج من محتوى من قبل مستخدمي الشبكة، وهذا ما يجعل علماء وشركات تصنيع وتطوير الحواسيب عاكفة على تطوير ما يُعرف بـ «الحواسيب الكمومية» والتي ستتمكن بشكل قد لا يمكن تخيله من معالجة وتخزين كل البيانات والمعلومات.

من سجون «البانوبتيكون» إلى تقنيات المراقبة الجماعية

بعد أن صمّم جيريمي بنثام نموذجًا لسجن أسماه البانوبتيكون، ويعني الرؤية الشاملة، تغيّرت طبيعة السجون؛ السجون التي كانت سابقًا سراديب و زنازين معتمة أصبحت بنايات على طراز معماري مدروس وحديث.

كان تصميم سجن البانوبتيكون الذي أعدّه جيريمي في 1791 عبارة عن مجموعة من الزنازين في شكل دائري، ولا يسمح تصميمها بالتواصل بين السجناء وبعضهم، ويتوسطها فناء به برج للمراقبة، وتُضاء من الخارج بحيث لا يستطيع السجناء رؤية من في برج المراقبة، في حين أن المُراقِب وحده من يرى جميع من في الزنازين، مراقب واحد لآلاف السجناء. يُرسِّخ هذا التصميم شعور المراقبة الدائمة لدى السجناء، فحتى لو لم يكن هناك من يراقبهم بالبرج فهم لن يستطيعوا معرفة ذلك؛ ما يجبرهم على التصرف طبقًا للتعليمات لمعرفتهم أنه قد يكون هناك من يراقبهم الآن. في تصميم سجن بانوبتيكون يلعب المعمار دورًا في قوة ممارسة السلطة، وحلِّ المراقبة محل التعذيب والعنف.

في كتابه المراقبة والمعاقبةيرى الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو أن تصميم سجن البانوبتيكون، كجهاز للانضباط والإكراه، يجعل السجناء حاملين للسلطة بداخلهم، فالمهم أن يتيقن السجين أنه مراقب طوال الوقت، في حين لا يمكنه الجزم أنه مُراقب الآن بالتحديد.كما أن شخص من يمارس السلطة ليس مهمًا، فأي شخص يستطيع القيام بدور المراقب حتى وإن جاء صدفة، فتتولد عبودية، لا تحتاج إلى القوة لإكراه المسجون على السلوك وفقًا لتعليمات مفروضة عليه، بل تصبح العبودية جزءًا من السلوك الاعتيادي للمسجون.

ويرى فوكو أيضًا أن المراقِب (أو السلطة) يستطيع بصورة دائمة الحكم على السجناء من خلال متابعتهم وتغيير مسلكهم، ويكتسب المعرفة التي تجعل سلطته مستقرة. ويرى أيضًا أن نظرية البانوبتيكون يمكن تطبيقها على المؤسسات المختلفة، حيث تؤمّن للمؤسسات جوانب سلطوية، مع الاقتصاد في الموارد والأشخاص والوقت، حيث يمكن تخفيض عدد ممارسيها مع الإكثار في عدد من تُمارس عليهم.

***

كوّن إدوارد سنودن، صاحب أكبر تسريب متعلّق بممارسة الحكومة الأمريكية المراقبة الجماعية على الاتصالات والإنترنت، وجوليان أسانج، مؤسس موقع ويكليكس وغيرهما، رؤية واضحة للعالم حول المراقبة الجماعية في عصر أصبح فيه ثلث العالم متصلًا بالإنترنت عبر أجهزة أكثر ذكاء مما كانت عليه الحواسيب العملاقة في ثمانينيات القرن الماضي. أعطت الوثائق والمستندات التي نشرها موقع ويكليكس بعدًا واضحًا لقوة الإنترنت، كأداة لا تمكن مجابهتها، لتداول بيانات ومعلومات خبأتها حكومات وشركات عملاقة متعددة الجنسيات تتحكم في اقتصاديات ضخمة. وكانت وثائق سنودن الأكثر تأثيرًا فيما يتعلق بالمراقبة الجماعية من قبل الحكومات، حتى المهتمون بقضية المراقبة الجماعية من قبل الحكومات، والباحثون وراءها، لم يتصوروا أن يكون الأمر بهذه الضخامة وهذا التطور. أعادت هذه الوثائق نظرة مستخدمي الإنترنت والاتصالات حول العالم، لخصوصيتهم هم أنفسهم في المجال العام، بل وساهمت في تشكيل علاقات دولية ودبلوماسية.

في مصر، ظهرت أول الوثائق المتعلقة بممارسات الحكومة في مجال مراقبة الاتصالات سنة 2011، بعد تسريب وثائق من جهاز أمن الدولة (الأمن الوطني حاليًا) – ترجع إلى عام 2008- حول قيام وزارة الداخلية بالتواصل مع شركة جاما البريطانية للحصول على برمجية تجسس (FinFisher). وبعدها توالى نشاط مجموعات مهتمة بالخصوصية الرقمية داخل مصر وخارجها لمتابعة برمجيات التجسس التي تستخدمها الحكومات ومن بينها الحكومة المصريةفي مراقبة النشطاء. وكان هناك لاحقًا تأكيد على أن الحكومة المصرية تستخدم برمجيات مختلفة للتجسس على النشطاء والمواطنين المصريين. ومنذ 2011 تظهر تسريبات جديدة تشير لتورط أجهزة الأمن المصرية في ممارسات مراقبة الإنترنت والاتصالات. ومن تسريبات أخرى، انكشف لاحقًا تعاون الحكومة مع شركة Blue Coat وظهرت مراسلات الحكومة المصرية مع شركة Hacking Team المتخصصة في برمجيات التجسس، ثم أعلنت الحكومة المصرية في 2014 أنها تريد الحصول على برمجية خاصة بها لمراقبة مستخدمي الإنترنت والشبكات الاجتماعية في مصر، وهو المشروع المعروف إعلاميًا باسم القبضة الإلكترونية” .

تبدو هذه النوعية من الممارسات متسقة تمامًا مع اتجاه النظام المصري بشكل عام لفرض سيطرته على المجال العام، فبعد إحكام السيطرة على وسائل الإعلام التقليدية وإرهاب الأجهزة الأمنية لكل المجموعات الساعية للتغيير السياسي والاجتماعي، لم يتبق سوى الإنترنت كمساحة أخيرة تصعب السيطرة عليها. وهذا ما أكده حديث وموقف الرئيس عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة، بدءًا من رؤيته لإمكانية السيطرة على الرأي العام على الإنترنت بكتيبتين، وحتى إعلانه عن وجود أجهزة خارجية تستخدم مواقع شبكات التواصل الاجتماعي لهدم مصر.

يرتبط التأثير السلبي للمراقبة الجماعية بالعديد من المواضيع الهامة، ليس فقط على المستوى السياسي، وإنما يمتد إلى ما يتعلق بالمعرفة والوعي والسلوك البشري الحر. تمامًا كما يمنع سجن البانوبتيكون التواصل بين السجناء وبعضهم، ويغيّر من سلوكهم الطبيعي ووعيهم بما يحيطهم، تؤدي المراقبة الجماعية لوسائل الاتصالات والإنترنت إلى نفس التأثير على نطاق أوسع، ربما لا يمكن وضع حد له. تتحول الحكومات ذات المعرفة الواسعة بكل ما يجري من اتصالات بين مواطنيها إلى سلطة مبالغ بقوتها، وتُشعِر مواطنيها بعجز يرتبط بالمعرفة التي تجمعها هذه السلطة حولهم، لتُستخدم هذه السلطة/المعرفة في تشكيل واقع متسق مع رؤيتها ومصالحها.

إحساس الإنسان بالمراقبة الدائمة حتى وإن كانت غير دائمةيجعله تلقائيًا ميالًا لرأي ورؤية الأغلبية، فكيف لشخص يشعر أنه مراقب طوال الوقت، وأن عينًا ما لديها قوة السلطة/المعرفة تنظر إليه، أن يفكر أو يتصرف بشكل نابع من قناعات شخصية حقيقية دون تأثير، ودون أن يلعب القلق أو الخوف دورًا في ضبط سلوكه الاعتيادي، ليتماشى أكثر مع طبيعة الانضباط الأمثلمن وجهة نظر المُراقِب/النظام؟ يكمن الأمر بالأساس في طبيعة المراقبة الجماعية كممارسة تضع في ذهن المُراقِب أن الجميع مشتبه بهم، وفي ذهن المُراقَبين أنهم مشكوك بهم، أو على الأقل أن سلوكًا قد يصدر عنهم يضعهم في دائرة اشتباه، حتى وإن كان التصرف طبيعيًا.

في المشهد المصري دائمًا ما يُعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي عن وجهة نظره السلبية تجاه الإنترنت والشبكات الاجتماعية، وتتفق معه الأجهزة الأمنية في وجهة النظر ذاتها وتطبقها. هذا العداء بالأصل هو عداء متصل بخوف السلطة من المعلومات والمعرفة والاتصال، وما يمكن أن ينتج عنهم من تَجمّع الأفراد في تنظيمات قادرة على الدفاع عن مصالحهم ضد ممارسات سياسية/ اقتصادية/ اجتماعية من الدولة، أو تشكيل وعي جمعي نابع من معرفة مشتركة وأنتجه اتصال بشري حُر عبر الإنترنت دون ضغوط من عين تُراقب أو سلطة تضع شروطًا للسلوك المنضبط.

يُوفِّر الإنترنت والشبكات الاجتماعية كمَّا هائلًا من البيانات والمعلومات التي يشاركها المستخدمون بشكل اعتيادي، وفيما يشكل جزءًا من نشاطهم اليومي، حتى وإن لم يرتبط هذا بنشاطٍ سياسي، لكنه غالبًا لا يخلو من شكوى أو رصد عفوي لواقع المشاكل اليومية في مصر. تلك هي نقطة البداية المُقلقة للنظام المصري أو أي من الأنظمة التي تحاول صنع مجتمع بانوبتيكي: الاتصال العفوي والحُر بين البشر دون وجود روابط قوية ومباشرة بينهم. توفِّر أيضًا الشبكات الاجتماعية مساحات مختلفة لمشاركة المعرفة الفردية، وعليه فإن الأفراد أو المجموعات ممن يتمتعون بالحق في الاتصال الحُر غالبًا ما ينشأ عن اتصالهم حلٌ قابل للتنفيذ لمشكلتهم. وإذا أضفنا حقيقة الازدياد في أعداد المستخدمين للشبكات الاجتماعية والإنترنت، سنجد أن مساحات الاتصال تصبح أكثر سعة لتشمل شبكة مُعقدّة من أصدقائك ومعارفك وأصدقائهم، ما يعني بالضرورة نشوء معرفة مشتركة من أفراد أو مجموعات قائمة على وعي واقعي بما يواجهونه. وهو ما قد يُفسّر لماذا يرى النظام المصري في الإنترنت والشبكات الاجتماعية مساحة للتنظيم والمعلومات، والتي قد تُشكِّل بدورها اتجاهًا للتغيير السياسي والاجتماعي.

ما يزال النظام يسعى لخلق وجهة نظر للرأي العام تبدو معتمدة بشكل أساسي على دوامة الصمت، في سعيه لإحكام السيطرة على الإعلام التقليدي، كأهم وسيلة اتصال جماهيرية، لتتخذ نفس مواقفه وتخدم مصالحه، حيث تبدأ مجموعات مختلفة من الإعلام بترديد نفس الخطاب بنفس المعنى لفترات طويلة إلى أن يصبح خطابًا سائدًا، فينعكس ذلك على الأفراد المُتلقين الذين يرددون نفس وجهة النظر بحثًا عن توافق مجتمعي، أو يمارسون على أقل تقدير نوعًا من الصمت، بحيث لا يكونوا في مواجهة السائد، فيواجهوا الملاحقات الأمنية أو الاتهامات بالخيانة ومحاولات تدمير الوطن. ويبدو أن النظام يحاول استخدام نفس الأسلوب مع الإنترنت، بدءًا من استخدام اللجان الإلكترونية إلى إعلان الرئيس في عدة أحاديث مختلفة السياق عن إمكانية توجيه الرأي العام على الإنترنت والشبكات الاجتماعية، مرورًا بالتسريبات والآراء والممارسات من قبل الأجهزة الأمنية بخصوص برمجيات التجسس على مستخدمي الشبكات الاجتماعية والمراقبة الجماعية.

يعلم النظام الحالي في مصر جيدًا حقيقة خطورة الاتصال الاعتيادي بين البشر، سواء عبر الإنترنت أو وسائل الإعلام أو الاتصال المباشر، فخلال السنوات السابقة اعتمدت كل التحركات الهادفة للتغيير السياسي والاجتماعي على الإنترنت بشكل كبير، وأغلب القضايا التي لاقت اهتمامًا من الرأي العام المصري كانت الشبكات الاجتماعية لاعبة أساسية فيها.

على الأغلب لن يستطيع النظام النجاح في معركته مع الإنترنت كما حدث مع الإعلام التقليدي، فالتطور التكنولوجي في تقنيات التخفي والتعمية والمجهولية لن يسمح بجعل الإنترنت دائرة مغلقة.