سلسلة مقالات (عمالقةً بالون)

بدأ نشر سلسلة مقالات (عمالقةً بالون) في موقع مدى بتاريخ 6 سبتمبر 2019

من حسن الحظ أنه أُتيح لي استخدام الحواسيب والإنترنت في وقت مبكّر من حياتي. كأغلب جيلي، كان الإنترنت الأكثر تأثيرًا في أنماط التفكير والانحيازات. مع مرور الوقت وانخراطي في المجال العام الذي انفتح نسبيًا بعد 2003، أصبح الإنترنت منفذًا أساسيًا لي في تطوير نفسي وطريقة تفكيري، خاصة مع ظهور المدونات وتقنيات الوِب 2.0. وأظن أن الكثير ممن في عمري قد مروا بتجارب مشابهة على اختلاف اهتماماتهم.

في هذه المقالات، أعرض تجربتي حول كيفية تأثير الإنترنت والحواسيب وتطور تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات على تغيير أنماط التفكير والانحيازات، وحول الطريقة التي وظّف بها النشطاء المصريين هذا التطور في العمل السياسي والاجتماعي والحقوقي، حتى أصبح الإنترنت المنفذ الأخير المُتاح للمصريين بعد أن سيطرت السلطة تمامًا على المجال العام في مصر.

تقتبس المقالات عناوينها من «إعلان استقلال للفضاء السيبراني» الذي كتبة صاحب المواهب المتعددة جون پِري بارلو في سنة 1996. بارلو شاعر وكاتب أغاني وكاتب مقالات ومدون وناشط إنترنت. أسس هذا الإعلان، في وقت مبكر جدًا، فكرة وفلسفة عامة تجاه قضايا حرية الفضاء السيبراني وقضايا حرية التعبير والخصوصية والملكية الفكرية.

تتناول المقالات الفترة من النصف الثاني من التسعينيات حتى الآن، في محاولة لرصد المشاهدات ذات الصلة بالتطور في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وارتباطه بالمجال العام والدفاع عن الحقوق والحريات، وتأثير ذلك في الحراك السياسي والاجتماعي وتداول المعلومات والبيانات والإعلام الرقمي. تعرض المقالات مشاهدات مُبكّرة للوب العربي وكيفية تطور المشهد بدءً من صفحات الوب العربية البسيطة مرورًا بالمنتديات ثم المدونات وتقنيات الوب 2.0 والويكي واستخدام النشطاء للإنترنت كوسيلة للتنظيم والتجمع وممارسات الحكومات المتعاقبة للسيطرة على الإنترنت والإتصالات.

روابط مقالات السلسلة:

عن يناير 2011

750

-1-

ثمة أمور لا تبدو مُقنعة، فكيف لثورة أن يُحدّد لها موعد ومكان؟
في بداية 2011 كانت الأمور مستقرة طبيعية، بعض الأحداث الضخمة التي لا تبدو أنها تؤثر جدا في اختلال توازن النظام. حادثة القديسين وحادثة خالد سعيد، بعض المظاهرات هنا وهناك. لا يوحي الوضع بتحركات ضخمة.
في جلسة خاصة جمعت العديد من الأصدقاء في أحد الأماكن العامة بوسط القاهرة يدور الحوار الروتيني الذي بدء خلال الأيام القليلة الماضية، نتقابل في الثورة؟ عملت أتندينج في الثورة؟ الأمور قبل 25 تبدو ساخرة، فالتحركات في الشارع قليلة، أهمها ما كان يحدث بخصوص قضية خالد سعيد وحادثة القديسين، وبعض الإضرابات العمالية المتفرقة،وبعض فاعليات حركة شباب 6 أبريل، وخمول واضح في العديد من التجمعات السياسية.
كانت التوقعات أيضا متواضعة في لقاءات وسط البلد الشبه يومية بين أصدقاء، توقعات بمظاهرة كبيرة في ميدان التحرير كانت أقصى ما يطمح له الجالسون، لم يتوقع أحد أن تتطور الأمور لتصبح ثورة.

-2-

في مقر عملي بالشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، صبحية يوم 25 يناير 2011، الأمور متوترة في منطقة وسط البلد وميدان التحرير. وبعض المخبرين أسفل مقر الشبكة، قرر جمال عيد النزول للميدان، يبدو متفائلا ” بلغني طيب التفاصيل أول بأول يا معلم” لا أذكر جيدا ماذا حدث بعد ذلك فقد كنا نعمل على خريطة تفاعلية تُجمّع تحركات المظاهرات في 25 يناير. لم يبلغني جمال بالتفاصيل أول بأول كما اتفقنا، لكنه نشر تغريدة.

ثم تبعها بأخرى:

كان الجميع يتحرك في كل اتجاه، وبدا الوضع أن الموضوع لن يكون مظاهرة أكبر مما توقعنا وحسب. Continue reading

اِرْتِبَاطُ شَرْطَيْ

1- إلَك فترة متغير
صباحات مختلفة قليلا، لا تبدو الأمور طبيعية، مواقيت استيقاظ متغيرة عن الروتين للشهور الماضية، لكن يمكنني أن أحدد بالضبط مدى إيجابيتها.
أحد الصباحات كانت تتبع الروتين الجديد، استيقاظ باكرا، قهوة وسجائر وإنترنت متقطع. الأمور تسير بلا شيئ يثير تقريبا.
خلال الأيام القليلة الماضية أعدت اكتشاف أمي. الأمور عادة روتينية بيننا، لا يوجد حديث شخصي تقريبا، نتحدث في أمور الدنيا عامة ليس أكثر ولا أقل. تبدو نظراتها وابتساماتها مختلفة الآن. أما حضنها فأنا حديث العهد به.

2- مادة مظلمة
تُشكل المادة المظلمة أكثر من 80% من المحتوى الكلي للكون. هي مادة لم افترضها العلماء لتفسير الجزء الأضخم من الكون. لا تؤثر على الضوء ولا تصدر موجات كهرومغناطيسية. اعتبرها العلماء هيكلا عظميا للكون، فهي تعمل على تماسك الكون، لا يمكننا رؤيتها لكننا ندرك وجودها.
ماذا لو كنت رأيتها؟ ولمست تأثيرها؟ أظنني كذلك.

Continue reading

الإستغلال تحت حماية قوانين الملكية الفكرية

ربما أتفهم دفاع الشركات العملاقة أو الدول التي لديها تاريخ استعماري عن الملكية الفكرية، لكني لا زلت لا أفهم لماذا هناك من يدافع باستماتة عن الملكية الفكرية وما يرتبط بها من قيود أخرى، وهو فعليا في أمس الحاجة لنقل المعرفة والتكنولوجيا والعلوم وتوطينها. هم تماما كالذي صنع فرانكشتاين ليقضي عليه في آخر الرواية.
لا داعي الآن لصرف مزيد من المليارات على الحروب، نهب ثروات الدول الأخرى يمكن أن يتم بسلاسة قانونية ومباركة المجتمع الدولي،فقط بتطبيق الملكية الفكرية واتفاقياتها. لقد تغيرت المعادلة، واتجه الاقتصاد من “الموارد الطبيعة” إلى “اقتصاد المعرفة” فالمعلومات أصبحت قوة ربما تجاوز قوة صناعات ثقيلة وقطع حربية ودول بمواردها الطبيعية.

تحصل شركات عملاقة على براءات اختراع لبذور معينة، تنتج محصولا أكثر من البذور العادية، هذا لا يعني فعليا وفرة في الغذاء، بل يعني وفرة في أرصدت الشركات صاحبة براءة الاختراع والمُنتِج الحصري للبذور.

شركة مونسناتو، واحدة من أهم الشركات الأمريكية التي تُنتج بذورا مهندسة وراثيا تقاوم الحشرات والأعشاب الضار، ما يعني إنتاجية أكثر في المحاصيل. وحتى يظل الفلاحين تحت رحمة الشركة فإن الشركة تشترط في عقد البيع عدم معاودة استخدام البذور مرة أخرى في السنة القادمة!

منذ اكتشاف الزراعة والفلاحون يحتفظوا بجزء من البذور الناتجة من محاصيلهم لزراعتها بالموسوم القادم!

يبدو حلا غير منطقي فكرة عقد الشركة مع الفلاح، فكيف لمونسناتو أن تراقب فلاحا يبعد عنها بآلاف الكيلومترات إلى لتعرف ماذا كان احتفظ بالبذور أم نفذ العقد ولم يحتفظ. استطاعت الشركة تجاوز هذه المشكلة بدفعها مبلغ مليار دولار نظير حصولها على براءة اختراع لتكنولوجيا تقوم بإصابة المحصول بالعقم!فحين يصل المحصول إلى مرحلة تكوين البذور يصاب بعقم فلا يمكن استخدامه لاحقا في الزراعة. وبالتالي يضطر الفلاح مرة أخرى لشراء البذور وإضافة المزيد من الدولارات لرصيد الشركة.

لا مجال هنا للحديث عن أخطار الهندسة الوراقية، فمعرفتي المحدودة بتفاصيل أمورها تقول أن هناك اختلافا علميا حول أضرارها، وبعض تجاربها لا ينتج عنها ضرارا على الإنسان.

 لدينا مساحة من الأراضي الزراعية، لا يكفي محصولها ونضطر للاستيراد، والحل ربما يكمن في تكنولوجيا الهندسة الوراثية، التي تحتكرها شركات عملاقة. طبق كل ما سبق على كل مناحي الحياة، أدوية، إلكترونيات، صناعات ثقيلة، برمجيات..إلخ.

ماذا تُفيد الموارد الطبيعية إن كانت الملكية الفكرية وبراءات الاختراع تحكم استغلالها؟ ربما لا فائدة، أو فائدة لا تتناسب مع الاحتياجات والاستخدام الأمثل والرشيد، إلا إذا قررت الدول بيعها لشركات تمتلك براءات اختراع في الطرق الأمثل لاستغلالها سواء كان ذلك بمعدات التصنيع أو ما يتعلق بالاستخدام الرشيد لها مثلا.

  • وجود وتوفّر البترول في دولة، يمثّل دخلا هائلا للاقتصاد القومي، في نفس الوقت، يُستعان شركات لديها براءات اختراع في معدات استخراجه وتكريره، دونها ستكون التكلفة أكثر أو لا يٌستطاع استخراجه بالأساس.
  • وجود عقول تتعامل بذكاء مع الإلكترونيات في دولة نامية، لا يعني أنهم قادرون على تطوير التكنولوجيا ببلادهم. لن يستطيعوا استخدام الهندسة العكسية لتطوير قدراتهم التقنية في فهم تكنولوجيات جديدة وتطويرها وتطويعها لتخدم أغراضهم واحتياجات بلادهم.
  • وجود أرض صالحة للزراعة في دولة لا يعني اكتفاءا ذاتيا من الطعام، نموا السكان في تزايد بأغلب الدول النامية. الاكتفاء الذاتي ربما يتطلب بذور مُهندسة وراثيا وأسمدة تمتلك براءات اختراعها شركات مثل منسناتو.
  • وجود نباتات طبيعية في دولة ما، يمكن استخلاص مواد كيميائية منها تٌستخدم في إنتاج الأدوية، لا يعني انخفاض في سعر الدواء. شركات الأدوية تتقاتل من أجل الحصول على براءات الاختراع واحتكار صناعة الأدوية.

لا أظن قائمة مثل هذه يمكن أن تنتهي!

من هو مخترع الهاتف؟
أنطونيو ميوتشي، عالم إيطالي فقير، اخترع جهازا يستطيع به الاطمئنان على زوجته المريضة بحيث ينقل صوته إليها عبر الأسلاك، وسجل براءة اختراع مؤقته لاختراعه. اكتشف بعد فترة أنه لم يوثّق براءة اختراعه بالشكل الصحيح، حيث أنه لم يكتب فيها أنه ينقل الصوت عبر الموجات الكهروماغنطيسية في الأسلاك النحاسية ولم يملك أي نقودا كافيه لتجديد براءة الاختراع المؤقته، جرهام بل كان يعمل معه في نفس المعمل، وجد بل نموذج ميوتشي وعمل عليه وبعد عامين من وفاة أنطونيو ميوتشي، وثّق جرهام بل براءة اختراع باسمه.

بالمناسبة، مجلس الشيوخ الأمريكي اعتبر ميوتشي هو المخترع الحقيقي للهاتف في سنة 2002، كاسترداد لحقه الأدبي.

الملكية الفكرية أم احتكار الأفكار؟

يمكن أن نستيقظ صباحا لنجد أحد الشركات العملاقة قد أخذت براءة اختراع في لبس الفانلة الحمراءبالشقلوب بعد منتصف الليل. لا أظنني سأندهش من ذلك. دعني أسرد لك بعض براءات الاختراع:

  • ميكروسوفت لديها براءة اختراع للنقر مرتين بالفأرة Double Click
  • أبل وسامسونج تصارعوا حول الأحق ببراءة اختراع للأيقونات ذات الزوايا الدائرية، وسجلت أبل براءة اختراع لتصميم الأيقونات بزوايا دائرية.
  • جوجل لديها براءة اختراع في تغيير الشعار Logo مؤقتا للاحتفال بمناسبة ما
  • أبل لديها براءة اختراع لتصميم سلالم زجاجية في متاجرها
  • لدى أبل براءة اختراع فيما يخلص التعليب والتغليف لمنتجاتها
  • أمازون لديها براءة اختراع لفكرة الشراء بضغطة واحدة

لا تبدو حقوق الملكية الفكرية كحقوق طبيعية، بل تبدو كقيود وُجدت لتخدم مصالح دول وشركات عملاقة تريد السيطرة اقتصاديا على شعوب أخرى انسحقت باستبداد حكامها وانبطاح حكوماتها.

  • تخيل أنك اشتريت فنجان قهوة، لا يمكنك أن تشرب فيه إلا نوع معين من القهوة.
  • تخيل انك اشتريت مطرقة لا تستطيع استخدامها إلا مع نوع معين بالمسامير.
  • تخيل انك بعد أن دفعت مئات الدولارات لتشتري برنامج ولا تستطيع أن تستخدمه إلا لغرض معين ولا تستطيع أن تعرف كيف يعمل.
  • تخيل أنك في دولة بها ملايين المرضى بالكبد ولا تستطيع تصنيع دواء تركيبته موجودة بالفعل لعلاجهم.
  • تخيل أنك اشتريت كتابا ولا تستطيع إرسال نسخة إلكترونية منه لصديقك، رغم انك دفعت لقاء الاستفادة منه.
  • تخيل أنك وجدت حلا لمشكلة ما وقُدمت للمحاكمة بسبب أن هناك شخص آخر حصل على براءة اختراع لحلها وأنت لا تعلم.

كن حذرا وأنت تستخدم عقلك وتفكيرك، ربما تذهب للسجن، هناك شخص ما ربما حصل على براءة اختراع لما تفكّر به.

حقوق الملكية الفكرية واحدة من أهم العقبات التي تواجه تدفق المعلومات، قيود عديدة تقحمها الملكية الفكرية في وجه تدفق المعلومات ما يخلق ندرة في المعلومات حتما لا تخدم البشرية بل تخدم مصالح دول وشركات وفقط بحماية تدابير وحشية تُزيد من الحواجز أمام التطور والنهضة والحياة يوما بعد الآخر.

  • إذا كنت تدرس البرمجة، لا يمكنك أن تدرس الشفرة المصدرية لبرنامج معين لتطور به علمك، لأن حقوق الملكية الفكرية تمنع ذلك. حتى بعد دفعك مئات الدولارات للحصول عليه.
  • إذا كنت تدرس الصيدلة، لن يمكنك دراسة تركيبة دوائية أو تصنيعها محليا، يجب أن تدفع أولا لقاء ذلك.
  • إذا كنت تعمل في مصنع، لن تستطيع تطوير جهاز أو مكينة به أو حل مشاكلها. حقوق الملكية تمنع ذلك، يجب أن ترجع للمُصنّع صاحب حقوق الملكية الفكرية وتدفع مقابل جهدك وتفكيرك!
  • حدثني، كيف يمكن لبلد نامي أن يحدث نهضة وهو لا يستطيع دراسة التكنولوجيا ومعالجة مرضاه وقراءة الكتب والدوريات العلمية؟

استخدم الهنود شجرة النيم في مجالات الطب ومواد التجميل ووسائل منع الحمل وتم تطوير استخدامها محليا على مدى قرون عديدة، في الثمانينات حصلت شركات أمريكية ويابانية على أكثر من 12 براءة اختراع على مواد مُستخلصة من شجرة النيم، فعليا لقد تم مصادرة المعرفة التي حصل عليها القروي الهندي من قبل حفنه من الجشعين.

Continue reading