عن فيسبوك والأرشفة

وسائط التخزين الرقمية والإنترنت خلّت ذاكرة الأفراد أوسع بكثير عن السابق. مشروع زي أرشيف الإنترنت خلّاني مثلا أرجع أقرأ حاجات كتبتها من ١٥ سنة، صحيح مش فاكر السياقات بالضبط لكن بعضها افتكرته كويس وبعضها توقعته بنسبة كبيرة.
على مستوى الأفراد وارد أن دا يكون مش موجود عند كل الناس، لكن على الأقل الناس ال كانت بتدون أو بتكتب على الوب هيكون أكيد موجود.
خلال مناقشة مع طبيب سألني مجموعة أسئلة، ماكنش عندي عليها إجابات لأني ماكنتش فاكر، أغلب الإجابات لقيتني كنت كاتبها من ١٤ سنة، يعني تقريبا نصف عمري.
بعد سنين طويلة من دلوقتي ، مع كم البيانات والمعلومات ال بيشاركها الناس على الوب، سواء كان فردي أو حدث جماعي أو فترة زمنية معينة، هيكون صعب أن التاريخ يتزور، صحيح الشركات/الحكومات بتحاول إنها تزوّر/تدلس لكن في النهاية الكم الأكبر من المتاح على الإنترنت هو من الناس نفسها.
في السياق دا، فيسبوك شيئ سيئ جدا في تدوين/مشاركة المعلومات، الأرشفة والبحث سيئين جدا والبيانات مملوكة لشركة فيسبوك وبيتم معالجتها واستغلالها في التسويق وفي أبحاث نفسية وغيرهم.
التدوين مثلا فيه مشاكل أقل كثيرا من المشاكل دي. على الأقل لو فيه أحداث عامة/جماهيرية نحطها على مدونات/صفحات وب ونأرشفها في أرشيف الانترنت.

أنا بحب الإنترنت

كنت بكتب حاجة عن تجربتي في استخدام الإنترنت وإزاي الإنترنت كانت أكتر حاجة أثّرت في حياتي.
تقريبا آخر ١٥ سنة في عمري، كنت منخرط في المجال العام بشكل ما، من أول كفاية وشباب من أجل التغيير ال عرفتهم من الإنترنت، لحد ما اشتغلت باحث في الحقوق الرقمية.
وأنا بكتب لاحظت أني مش فاكر تفاصيل كتير في حياتي من بعد ٢٠١١، لكن فاكر أكتر الفترة ال قبل الثورة.
في الأول لما بدأت أكتب عن تجربتي مع الإنترنت، ماكنتش محتاج أرجع لحاجات عشان أفتكر وكتبت عن ال شفته من ٩٦ تقريبا لحد اخر ٢٠١١ من غير ما أرجع لحاجة تفكرني أو أتأكد من معلومة. كمان اكتشفت إن آخر حاجة فاكرها كويس هو موت بابا و مذبحة ماسبيرو. بعد كدا فاكر كل حاجة كلقطات مش أكتر، ولما رجعت لحاجات مكتوبة عشان أكمل كتابة، لقيت إحساسي بالحاجات مختلف تماما عن اللقطات السريعة ال فاكرها، ولما افتكرت أكثر كان الموضوع سيئ جدا نفسيا.
المهم، بغض النظر عن كل دا، الإنترنت كانت عامل أساسي في كل حاجة ، أنا مبسوط إني بدأت أستخدمه وأنا صغير في السن، بالذات إنها تقريبا غيرت كل حاجة كنت طالع بها من مجتمعي ال اتربيت فيه، وحتى عرفتني أنا حابب أعمل إيه في حياتي وخلّتني كمان قادر أحدد انحيازاتي وأنا مرتاح، هو أصلا الإنترنت هي ال عرفتني يعني إيه انحيازات.

عن الحجب وعداء الدولة للإنترنت

هذا المقال نُشر أولا في موقع المصري اليوم بتاريخ 05-07-2017

في وقت وجيز من بدء الحكومة في حجب المواقع الإخبارية، ارتفع عدد المواقع المحجوبة في مصر إلى 118. كانت البداية في 24 مايو 2017، حيث نشرت وكالة الأنباء الرسمية (وكالة أنباء الشرق الأوسط) خبرا مقتضبا حول حجب 21 موقعا، كموقع مدى مصر وكل المواقع التابعة لقناة الجزيرة وغيرها. وتداول الإعلام أن الحكومة قد حجبتت المواقع الداعمة للإرهاب والتابعة لقطر، في سياق الحصار المفروض عليها من أربع دول عربية: مصر والسعودية والإمارات والبحرين.ميين» تؤيد قرار حجب المواقع: تهدد الأمن القومي

لم يكن حجب مواقع الإنترنت فعلا عدائيا جديدا من قبل السلطة الحالية، فموقف السلطة تجاه الإنترنت عدائي منذ البداية، ولم تتوقف محاولاتها المستمرة للسيطرة عليه. في منتصف سنة 2014، سربت الصحافة كراسة شروط لممارسة محدودة، أعلنت عنها وزارة الداخلية المصرية والتي تستهدف شراء تطبيقات تمكنها من مراقبة الشبكات الاجتماعية على الإنترنت، والتجسس على أنشطة المستخدمين. وفي سبتمبر 2014، كشف تقرير صادر من سيتزن لاب، عن استخدام مصر نظام بلو كوت، وهو نظام يمكّن من مراقبة تدفق البيانات على الإنترنت عبر تقنية Deep Packet Inspection، وإخضاع حزم بروتوكول الإنترنت للمعالجة والمراقبة. وفي يوليو 2015، كشفت الوثائق المسربة من شركة هاكينج تيم، قيام أجهزة الأمن المصرية بالتواصل مع الشركة للحصول على نظام RCS، وهو برنامج من النوع المستخدم لاستهداف أشخاص معينين، لمراقبة نشاطهم الرقمي. وفي نوفمبر 2016 حتى الربع الأول من عام 2017، تعرّض مجموعة كبيرة من النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان في مصر لهجمة استهدفت الحسابات المؤسسية والشخصية. ما يحدث أن السلطة الحالية تستكمل ما ورثته عن الأنظمة السابقة بمزيد من التصميم على السيطرة والتطوير. ففي عام 2011، اقتحمت مجموعات من الثوار مقار جهاز أمن الدولة، وعُثر بواحد من مقراته على وثائق تعود لعامي 2008 و2009 تثبت أن الحكومة المصرية قد حصلت على نظام FinFisher للتجسس على النشطاء المصريين.

يأتي حجب المواقع الإخبارية والإعلامية في ظل وضع مترد على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي في مصر، حيث أحكمت الدولة السيطرة على الإعلام التقليدي، وانحصر ظهور معارضين على شاشات القنوات الفضائية، ومارست الصحافة رقابة ذاتية خوفا من بطش السلطة، ولم يعد هناك حراك في الشارع المصري وداخل الجامعات المصرية، بعد التعامل العنيف مع المتظاهرين خلال السنوات الماضية، خاصة بعد إصدار قانون تنظيم التظاهر. فكان الإنترنت هو المساحة الأخيرة والمنصة الوحيدة المتاحة للمواطنين للتعبير عن آرائهم.

بعد الثورة المصرية في 2011 تعاملت الدولة مع الإنترنت والإعلام ومنظمات المجتمع المدني، باعتبارها كانت أسبابا أساسية لإسقاط النظام الأسبق، وعليه أصبح على الأجهزة الأمنية أن تسيطر عليها والقضاء على ما يمكن القضاء عليه. فعلى الرغم من إمكانية فهم تحرك الملايين في الثورة المصرية في سياق استبداد وتردي الأوضاع في عهد نظام مبارك وممارسات جهاز الشرطة المصري، وهو التفسير الأكثر منطقية. فالإعلام وقت مبارك لم يتمتع بمطلق حريته ولم يكن في صف الثورة بل كان في أغلبه ضد تحركات الملايين في 25 يناير وما تلاها، ومنظمات المجتمع المدني لم تكن مؤثرة في تحركات الشارع واقتصر دورها على تقديم الدعم القانوني وتوثيق الانتهاكات، وهو عمل اعتيادي كانت المنظمات تقوم به منذ فترة طويلة سابقة على الثورة، إلا أن السلطة الحالية، منذ أن جاءت، وهي تسعى لتدجين الإعلام والسيطرة التامة عليه، وهو ما نجح فيه بالفعل، لتتحول الكثير من القنوات الفضائية والصحف إلى أدوات استقطاب وتضليل، في نفس الوقت الذي تُرهب فيه السلطة منظمات المجتمع المدني، وهي الآن في مرحلتها الأخيرة للقضاء تماما على وجودها المستقل، إما عبر قانون تنظيم عمل الجمعيات الأهلية الذي أُقرّ مؤخرا يوم 24 مايو 2017، وهو نفس يوم بداية حجب المواقع، أو من خلال تقديم العديد من المدافعين عن حقوق الإنسان للتحقيق والمحاكمات والتحفظ على أموال بعضهم. وعلى أي حال، لا يمكن أن ننظر إلى عداء السلطة للإنترنت ومراقبته و ممارسة حجب مواقع الويب في مصر خلال الفترة السابقة في سياق منفصل عن رؤية الدولة تجاه ما تراه- جهلا- أدوات تسببت في إسقاط نظام مبارك.

وربما ترجع قناعة الدولة وأجهزتها الأمنية بخطورة الإنترنت؛ لتاريخ من استخدامه من قبل حركات التغيير السياسي والاجتماعي في السنوات التي سبقت ثورة يناير. فقد استخدم النشطاء المدونات، ثم الشبكات الاجتماعية، في تناول العديد من القضايا الحقوقية، كقضايا التعذيب في أقسام الشرطة والتحرش الجنسي وتغطية المظاهرات التي دعت لها حركات التغيير، كما لعب الإنترنت دورا في الحشد للعصيان المدني في 6 أبريل 2008. لاحقا، في نهاية 2010، أطلقت صفحة (كلنا خالد سعيد) دعوة للتظاهر في 25 يناير2011 بميدان التحرير، وهي الدعوة التي تحولت لثورة شارك فيها ملايين المصريين وأسقطوا واحدا من أقوى الأنظمة المستبدة في المنطقة العربية. وفي أحداث الثورة ، لم يقتصر استخدام الشبكات الاجتماعية على الدعوة للمظاهرات وحسب، بل استُخدم أيضا في التنظيم وتوجيه المتظاهرين، بداية من نشر نشطاء لخرائط توضّح خط سير المظاهرات في الأماكن المختلفة، حتى توظيف تويتر لتحذير المتظاهرين من أماكن التواجد الأمني المكثف في الأماكن المختلفة، مما جعل النظام يحجب موقعي فيسبوك وتويتر، ثم يقطع الاتصالات تماما عن كامل الأراضي المصرية، باستثناء خدمة الهاتف الأرضي، وخدمة الإنترنت من شركة نور، التي تمتلك حصة ضئيلة من سوق خدمات الإنترنت في مصر.

لم يغب مجلس النواب المصري عن مشهد عداء الدولة للإنترنت وللشبكات الاجتماعية ولتداول المعلومات والأخبار عبرها، فقد كان حجب المواقع حاضرا في مشروع قانون الجريمة الإلكترونية المقترح من أحد أعضاء مجلس النواب المصري في مايو2016، حيث جاءت مسودة القانون في 30 مادة لا تهدف لمكافحة الجريمة الإلكترونية بقدر ما تسعى للسيطرة على الإنترنت ومستخدمي الشبكات الاجتماعية وفرض رقابة ذاتية على المستخدمين عن طريق الترويع بعقوبات قاسية على ممارسات اعتيادية يومية يقوم بها معظم مستخدمي الشبكات الاجتماعية، وهو القانون الذي اقترحه النائب تامر الشهاوي، الضابط السابق. كما اقترح أحد أعضاء مجلس النواب إصدار قانون يُلزم المستخدمين المصريين بالحصول على ترخيص لاستعمال الشبكات الاجتماعية. أيضا ظهرت مطالبات برلمانية لحجب المواقع، وفرض رقابة على الإنترنت، حيث أعلن أعضاء من مجلس النواب المصري عن سعيهم لإصدار قانون لحجب المواقع الإباحية، والمواقع التابعة لتنظيمات مسلحة. ومن أغرب المقترحات الصادرة عن أعضاء بمجلس النواب في أبريل 2017 دعوة نواب من مجلس النواب المصري لسن قانون يُلزم مستخدمي الشبكات الاجتماعية في مصر بدفع مبلغ مالي شهريا مقابل استخدامهم فيسبوك.

الحل في اللامركزية

حذّر الرئيس عبدالفتاح السيسي في أحد لقاءاته المُذاعة على التليفزيون مما يتم تداوله على شبكات التواصل الاجتماعي قائلا: “أنا بتكلم دلوقتي وإنتو شايفني، لو أنا بتكلم من ورا وسائل الاتصال المختلفة إنتو مش شايفني ولا تعرفوا أنا تبع إيه، ولا بهدف من ورا ده إيه” ويستكمل في نفس اللقاء :”أنا ممكن بكتيبتين أدخل على النت وأعملها دائرة مقفولة والإعلاميين ياخدوا أخبار وشغل منها”. هكذا يرى الرئيس السيسي الإنترنت وكيف يمكن السيطرة عليه.

فعليا لا يبدو أنه يمكن السيطرة على الإنترنت، لا بحجب ولا بكتائب ولا بغيرهما. بشكل عام، لم يكن الحجب مانعا للمستخدمين من الوصول لما يريدونه من محتوى، فنجد أنه على الرغم من حجب المواقع الإباحية في دول مثل المملكة العربية السعودية وباكستان وغيرها، إلا أن هذه الدول تعتبر من أكثر الدول المستهلكة للمواد الإباحية. ما يحدث أنه عند حجب المواقع يسعى المستخدمون تلقائيا لإيجاد طرق لتجاوزه، وعلى مدى غير طويل يكتسب المستخدمون ثقافة تجاوز الحجب، وتصبح من بين مهاراتهم التقنية الأساسية.

كانت المواقع المصرية المحجوبة قد قامت ببعض الإجراءات لمواجهة الحجب. بعض المواقع أصبحت تنشر كامل محتواها على صفحاتها بفيس بوك، والبعض الآخر اتجه لمنصات نشر بديلة لم يتم حجبها كخدمات التدوين، وجزء من المواقع قام بإنشاء نطاقات جديدة لمواقعهم، بالإضافة لاستخدام خدمات شبكات توزيع المحتوى (CDN) حيث تستضيف المواقع المحجوبة محتواها على خواديم تابعة لشركات كجوجل على سبيل المثال، بحيث يصبح حجب هذه المواقع يعني أيضا حجب خدمات جوجل.

أصبح استهلاك المواد الرقمية بشكل عام واحدا من الاحتياجات الأساسية، يسعى الجميع لإيجاد طرق للحصول عليها. فما تقوم به دول مثل مصر بحجب المواقع والخدمات يقابله تحركات عالمية واسعة لإيجاد طرق بديلة لتداول البيانات على الإنترنت دون أن يكون للحكومات والشركات سلطة عليها. تبدو الأفكار حول الشبكات غير المركزي، هي الأكثر رجاحة في مواجهة محاولات السيطرة على الإنترنت. تلعب الحكومات والشركات دورا أساسيا في تشغيل الإنترنت التي نعرفها اليوم، سواء ما يتعلق بتوفير خدمة الإنترنت نفسها وخواديم التوجيه و الخواديم المُعدّة لاستضافة المواقع والتطبيقات والخدمات، وبالتالي فإنه يمكن التحكم بتطبيقاته ومحتواه من قبل الشركات والحكومات، ولا يمكن الحفاظ على خصوصية المستخدمون، فبياناتهم تخضع لسلطة مقدمي الخدمات و وسطاء الإنترنت. أما مصطلح الشبكات اللامركزية، فيستخدم للإشارة إلى سلسلة من التقنيات أن تحل محل العديد من بروتوكولات الاتصال والشبكات والخدمات الحالية، بحيث تكون استضافة المحتوى والتطبيقات والخدمات مُشاركة من قبل المستخدمين أنفسهم وموزعة على حواسيبهم فلا يمكن السيطرة عليها أو فرض رقابة عليها من قبل حكومات أو وسطاء. مشاركة الملفات عبر التورنت واحدة من تطبيقات الشبكات اللامركزية، وتستخدم هذه النوعية من البرامج بروتوكول “بت تورنت” لمشاركة الملفات عبر الإنترنت، بحيث لا تكون الملفات المُشاركة مُخزّنة بخادوم مركزي، بل تُقسم الملفات إلى عدد من الأجزاء الصغيرة، ثم تُوزّع هذه الأجزاء بشكل عشوائي بين المستخدمين بحيث تعمل كل حواسيب المستخدمين المُستضيفة لملف معين كخادوم، في حين يعمل حاسوب المستخدم الذي يُريد تحميل الملف كعميل، وبعد اكتمال تحميل الملف على حاسوب مستخِدم ما يتحول بدوره ليعمل كخادوم لمستخدمين آخرين.

تجتهد العديد من المجموعات التي آمنت بحرية الإنترنت وحرية المعلومات في إيجاد أدوات وشبكات غير مركزية وغير قابلة لسيطرة الحكومات والشركات العملاقة العاملة في مجال التكنولوجيا عليها. أحد أهم تلك التجارب هي مشروع “صندوق الحرية” التي تسعى لبناء شبكات غير مركزية يتحكم فيها المستخدمون في بياناتهم بأنفسهم ولا يمكن للحكومات أن تسيطر عليها، وهو عبارة عن خادوم صغير، يحتاج لإعدادات بسيطة وسهلة لتشغيله، ورخيص الثمن، ويمكن لأي شخص الحصول عليه، وكل اتصالاته مُشفرة، ويوفّر كل ما يريده المستخدمون من إمكانيات. كل ما سيكون على المستخدم فعله هو شراء خادوم “صندوق الحرية”، وتشغيله، وتوصيله بالإنترنت. بعدها يستطيع المستخدم التعامل معه في كل ما يريده مثله مثل أي خادوم آخر، كالتواصل الاجتماعي والبريد الإلكتروني والدردشة الصوتية والمرئية وغير ذلك. تخيل شبكة اجتماعية تعمل بشكل غير مركزي عبر مجموعة من خواديم (صندوق الحرية) باتصالات مُعمّاة ، لا تُديره شركة مركزيا، ولا يمكن حجبه.

أما مشروع تور TOR فيوفّر متصفح آمن للمستخدمين، ويعمل على مختلف المنصات: ويندوز ، وماك ، ولينكس ، وأندرويد، وأي أو إس. يعمل متصفح تور عبر شبكة غير مركزية مؤلفة من آلاف الخواديم التي يديرها متطوعون. و يوفّر تصفح مواقع الإنترنت المختلفة في حالة تخفي، حيث يمر اتصال المستخدم عبر مجموعة من العقد من خلال مسارات معماة، موزّعة في أماكن جغرافية مختلفة، فلا يمكن الكشف عن هوية المتصفح ولا مكانه ولا يمكن حجب محتوى عنه. ولا يمكن حجب خدمة تور نفسها، فحتى مع حجب موقع “مشروع تور”، كما حدث في مصر، يمكن للمستخدمين الحصول على المتصفح عبر البريد الإلكتروني أو من خلال التورنت أو من الكثير من المواقع غير المحجوبة التي تتيح تحميله.

زيرو نت Zeronet هي تجربة أخرى حديثة نسبيا بدأت في عام 2015، تعمل كشبكة غير مركزية تُمكّن مستخدميها من استضافة المواقع الإلكترونية بشكل مشترك من خلال شبكة توزيع غير مركزية مُؤلفة من المستخدمين، بحيث يتشارك المستخدمون استضافة البيانات على حواسيبهم، وهي نفس الطريقة التي تعمل بها خدمات التورنت، فشبكة زيرونت تعمل من خلال بروتوكول بيتورنت. كما تعتمد الشبكة أيضا على تقنية التعمية المستخدمة في عملة بيتكوين الرقمية. الخدمات التي تتاح على زيرونت سواء كانت مواقع إلكترونية أو تطبيقات دردشة وشبكات اجتماعية لا يمكن التحكم فيها من قبل الحكومات أو الشركات التي تزود المستخدمين بخدمة الإنترنت، ولا يمكن حجب أو إزالة محتواها.

تعتبر دولة مثل كوبا من أقل الدول اتصالا بالإنترنت، بل إن لديها إنترنت محليا تٌسيطر عليه الدولة بشكل تام، وهو ما لم يكن يُرضي المستخدمين في كوبا، فنشأ حل بديل للحصول على المواد الرقمية، عبر استخدام ما أطلق عليه الكوبيون الباكت (Paquete) وهو حل مبتكر عبارة عن قرص تخزين يحتوي على مواد رقمية مُنوّعة كالمجلات والصحف والأفلام والمسلسلات والبرامج التلفزيونية ومواقع بأكملها يمكن تصفحها دون الحاجة للإنترنت، مثل نسخة اللغة الاسبانية من ويكيبيديا. هذا القرص يُحدّث محتواه إسبوعيا (كل يوم ثلاثاء). مخترعو الباكت والقائمون على تحديث محتواه غير معروفين، إلا أن المواد الرقمية التي يُشاركوها عليه تصل أسبوعيا لملايين المستخدمين.

هناك العديد من التجارب والمشاريع التي تسعى لإتاحة شبكات غير مركزية، لا يمكن السيطرة عليها. ففي الوقت الذي تعمل فيه دول العالم على السيطرة على تداول المعلومات على الإنترنت بدعوى محاربة الإرهاب والحفاظ على الأمن القومي، يعمل آلاف المتطوعين من مختلف أنحاء العالم على إبقاء الإنترنت مفتوحا وحرا، دون تحكم من حكومات أو شركات عملاقة متعددة الجنسيات، فما يوفره الإنترنت وتطبيقات الويب واجتهادات العديدين ممن آمنوا بحرية الإنترنت وحرية المعلومات يقف بصلابة ضد السيطرة على الشبكة وتدفق المعلومات من خلالها.

نبوءة الوِب وتاريخه: المعرفة منّا وعلينا

هذا المقال نُشر أولا في موقع مدى بتاريخ  01-03-2017

في ستينيات القرن الماضي ابتكر جوردون مور، المؤسس المُشارك لشركة «إنتل»، قانونًا يَحكُم التطور التقني لقدرات الحواسيب في معالجة البيانات، وبمفاده فإمكانيات الحاسوب تتضاعف كل سنتين تقريبًا؛ سرعة المعالجات بالحواسيب وسعة الذاكرة وكل شيء تقريبًا. ورغم أن قانون مور لا يعتمد على أُسُس الفيزياء والرياضيات بقدر ما يعتمد عن رؤية لاتجاه صناعة الحواسيب والمعالجات، إلا أنه نُفّذ من قبل مُصنعي الحواسيب، حتى وصلنا إلى أن تكون الآلة الحاسبة التي يستخدمها الطلاب الآن أقدر على معالجة البيانات من الحاسوب، الذي أدار مهمة أبولو 11 التي قادت البشر لأول مرة للنزول على سطح القمر!

ومع تغيُّر سلوكيات الاستهلاك وانصباب تركيز شركات تصنيع الحواسيب على سد احتياجات السوق، صار لزامًا على ما تُصنّعه أن يُلبّي احتياجات المستهلكين، فلم يعد التصنيع مُركَّزًا على احتياجات الشركات الكبرى ومراكز البيانات أو حتى الحواسيب المكتبية والمتنقلة، وإنما أصبح ما يحدد تطور الحوسبة الآن هو احتياجات سوق الهواتف الذكية  والحواسيب اللوحية والأجهزة القابلة للارتداء كالساعات الذكية وتقنيات الحوسبة السحابية، لذا ترى التنبؤات أن 2020 قد يشهد موت قانون مور.

في عشرينيات القرن الماضي تنبأ العالم نيكولا تيسلا بالإنترنت والهواتف الذكية وتطبيقات الويب. كان يرى أن الأرض ستُغطى بشبكة عملاقة، كل شيء سيكون داخل هذه الشبكة ومتوافقًا معها، وسيكون البشر قادرين على التواصل لحظيًا مع بعضهم بغض النظر عن المسافات الفاصلة بينهم من خلال تقنيات تجمع بين التلفاز والهاتف، والأداة التي سيستخدمها البشر في ذلك ستكون أبسط وأصغر حجمًا من هاتف العشرينيات، ويستطيع الإنسان حملها في جيبه. جميعنا يحمل نبوءة تسلا الآن في جيبه، وغالبًا تقرأ منه هذه السطور.

وفَّرت الحواسيب إمكانية لتبادل البيانات والمعلومات دون استهلاك وسائط تخزينها، وزادت من عمر بقاءها، أو ربما خلّدته. فمع ظهور الحواسيب المكتبية وانتشارها أصبح بإمكان الجميع تبادل ملفات تحتوي آلاف البيانات والمعلومات بسهولة. وحتى قبل انتشار استخدام الإنترنت، وفي وقت لم تكن فيه خدمة الإنترنت مُؤَهّلة لتبادل ملفات ضخمة، كان المستخدمون يلجؤون لتبادلها بشكل مباشر عبر وسائط التخزين المتاحة، وبطرق كانت شديدة الانتشار في تسعينيات القرن الماضي ولا تُكَلّف مالًا؛ فقط يربط المستخدمُ القرصَ الصلبَ بحاسوب آخر يريد نقل ملفات منه. ظلت هذه الطريقة منتشرة جدًا لنقل البيانات بين المستخدمين حتى بداية الألفينات، ووفرّت استهلاك أقراص CD أو الأقراص المرنة «فلوبي ديسك». وبينما تُستهلك أو تُفقد وسائل النشر التقليدية كالورق، كانت الصيغ الرقمية لتبادل البيانات لا تُستهلك ويمكن نسخها لعدد لا نهائي من الأفراد دون تعريضها للنفاد أو الاستهلاك. كانت ثقافة مشاركة البيانات والمعلومات، وما تزال، واحدة من أهم القيم الأكثر تأثيرًا في تطور المجتمع الرقمي.

كانت المعلومات وتداولها في صلب التفكير في بناء الوِب، والذي يختلف عن الإنترنت، فالأخير هو شبكة ضخمة تصل بين مجموعة ضخمة من الحواسيب والخواديم، بينما الوِب هو النظام الذي يسمح بتنقل المستخدم بين صفحات باستخدام مُتَصفِّح، ويعمل فوق الإنترنت.

كان تيم بيرنرز لي، مخترع الوب، واحدًا من العلماء الذين آمنوا بضرورة إتاحة وسيلة سهلة لنقل وتداول المعلومات عبر الإنترنت. وفي 1989 عرض تيم فكرة الترابط بين النصوص على الإنترنت بما يسمح للمستخدمين بالانتقال فيما بين الصفحات باستعمال مُتصفِّح للإنترنت، وتتوفر هذه الصفحات عبر خواديم متصلة بالإنترنت تقوم على إرسال الصفحات ومحتواها بناء على طلب المستخدم، وهي الفكرة التي عُرفت لاحقًا بالـ«وِب». في صيف 1991 أطلق بيرنرز لي أول برنامج لتصفح الإنترنت. وفي 1993 ظهر متصفح للإنترنت باسم «موزاييك» وأصبح بإمكان المستخدمين الوصول لصفحات إنترنت بها نصوص وصور ومقاطع مصورة، والتنقل فيما بين هذه الصفحات بسهولة. وأتت النقلة الأكثر تأثيرًا مع ظهور متصفح «نتسكايب» في 1994 و«إنترنت إكسبلورر» في 1995، وفي نفس الوقت أصبح هناك تواجد للعديد من وكالات الأنباء والمؤسسات الصحفية على الإنترنت.

في سنة 1993 كان عدد مواقع الإنترنت 130 موقعًا، ووصل إلى 100 ألف موقعًا بعد ثلاث سنوات فقط. وبحلول عام 1998 كان هناك 50 مليون مستخدم إنترنت في العالم، بمقدورهم تبادل ومشاركة المعلومات والبيانات.

ولأن الوِب نشأ بالأصل لإيجاد أسهل الطرق لتبادل المعلومات، وبحد قول تيم بيرنرز لي، فإن «الحلم وراء الوب هو أن يكون مجالًا معلوماتيًا مشتركًا، حيث يمكننا التواصل من خلال تبادل المعلومات»، فقد تنوعت المواقع التي ظهرت مبكرًا بين مجالات الإعلام والفن والثقافة والسياسة والعلوم والدين والتجارة. في كل المجالات سنجد مواقع ظهرت مبكرًا تتداول البيانات والمعلومات حول تخصص أو مجال اهتمام بعينه. فنجد على شبكة الإنترنت منذ عام 1990 موقع «قاعدة بيانات الأفلام على الإنترنت»  وموقع «أرشيف الماركسيين على الإنترنت».  وظهر موقع arXiv المهتم بأرشفة الأوراق العلمية في تخصصات الفيزياء والفلك والرياضيات وعلوم الحاسب وغيرهم في عام 1991، وفي نفس العام أيضا ظهر موقع AllMusic الذي يقدم خدمة الاستماع للموسيقى، وموقع ZDNet الذي يقدم أخبارًا متعلقة بالتقنية.

وفي عام 1992 ظهر موقع Spunk Library كمكتبة لدعم وتشجيع ناشري الكتب والصحف والمجلات الأناركيين. وفي عام 1993 ظهر موقع «بوابة الكتاب المقدس.. BibleGateway» الذي يوفّر الكتاب المقدس باللغتين الإنجليزية والفرنسية، وهو نفس العام الذي ظهر فيه موقع Access to Insight الذي يقدم موادًا مترجمة تتعلق بالديانة والفلسفة البوذيتين، وموقع Capitol Fax الذي يقدم نشرة سياسية يومية تغطي ولاية إلينوي الأمريكية، وموقع Nifty Erotic Stories Archive والذي تخصص في نشر القصص الجنسية، وموقع Simtel الذي عمل كمستودع وأرشيف للبرامج المجانية لأغلب أنظمة التشغيل.

شهد عام 1994 المزيد من التطورات في الويب، فمع انتشار مستخدمي الإنترنت والحواسيب ظهرت مواقع أخرى شهيرة في هذا العام، مثل موقع ياهوو وأمازون وموقع بي بي سي وموقع HotWired والذي يعتبر أول مجلة هادفة للربح على الوب، وموقع WebMuseum، وهو أحد أوائل المواقع التي عملت كمتحف افتراضي على الوب، كما ظهر موقع البيت الأبيض في نفس العام أيضًا، بالإضافة لموقع GeoCities والذي مكّن العديد من مستخدمي الوب من إطلاق صفحات إلكترونية على الوِب، ويعتبر واحدًا من أهم المواقع التي ساهمت في تطور المحتوى على الِوب.

كان الوِب العربي أيضًا حاضرًا في وقت مبكر نسبيًا. رغم وجود مشاكل تتعلق باللغة العربية وترميزها وبعدد مستخدمي الإنترنت في المنطقة العربية، إلا أن عددًا من المواقع العربية ظهر منذ عام 1995. على غرار موقع «موقع أمريكا أون لاين.. AOL» ظهر موقع Arabia.com، الذي كان ينشر أخبارًا ومقالات واستفتاءات تتعلق بالمنطقة العربية، ثم تطور لاحقًا ليقدم خدمات تتعلق بالإنترنت كاستضافة المواقع الإلكترونية والبريد الإلكتروني، واستمر الموقع في العمل حتى عام 2003 وهو عام إغلاقه، كما ظهر أول موقع لشركة «صخر» العربية، وهي شركة تقنية رائدة في المنطقة العربية انتشرت حواسيبها في فترة مبكرة من التسعينيات في الدول العربية. وفي عام 1997 ظهر موقع «نسيج» وموقع قناة «الجزيرة الإخبارية»  وفي نفس العام ظهر موقع «أين» والذي كان يشبه كثيرًا موقع «ياهوو»، حيث قدّم خدمات متعددة كالأخبار والدردشة والبريد الإلكتروني، ودليلًا للمواقع الإلكترونية على الشبكة. كما عمل الموقع كمحرك بحث، بالإضافة لتوفيره خدمة لإنشاء الصفحات الإلكترونية.

وفي النصف الثاني من التسعينيات انتشر الإنترنت أكثر في المنطقة العربية وظهرت العديد من المواقع الإلكترونية العربية والمنتديات، وما يزال بعضها يعمل إلى الآن.

كانت المنتديات مساحة جيدة للنقاش ولتبادل المعرفة والبيانات بين المستخدمين. كان عالم المنتديات في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي  شديد الثراء بالمحتوى؛ يمكنك طرح موضوع للنقاش وتلقي عشرات أو مئات الردود عليه من مستخدمين آخرين. وفي دول كدول المنطقة العربية شكّلت المنتديات مساحة للنقاش حول قضايا غير مطروحة للنقاش أو تداول المعلومات حولها في وسائل الإعلام والنشر التقليدية. كان هناك العديد من المنتديات التي ظهرت مبكرًا، واستخدمها آلاف من الدول العربية في نقاشات تنوعت بين الثقافي والديني والسياسي والتقني، وكانت مساحة جيدة للتعارف، خاصة بين متقاربي الأفكار والاهتمامات.

في نفس الفترة كانت الحكومات العربية قد وعت جيدًا بما يمكن للإنترنت والوِب والمساحة المُتوفّرة لتبادل المعلومات تغييره. وفي نهاية التسعينيات وقعت ملاحقتان أمنيتان ضد مستخدمي إنترنت عربي، الأولى كانت ضد مهندس أردني مقيم بأمريكا واعتُقل في الأردن بتهمة الإساءة للملك، والثانية كانت مُحاكمة ستة شباب سعوديين بتهمتي ذم الإسلام وإهانة المملكة العربية السعودية.

حتى المؤسسات الحقوقية ومجموعات المدافعين عن حقوق الإنسان استخدمت الوِب مبكرًا لنشر معلوماتها وبياناتها المُتعلّقة بحقوق الإنسان، فنجد العديد من منظمات حقوق الإنسان بادرت بإنشاء مواقع إلكترونية خاصة بها، مثل «هيومان ريتس واتش» التي أنشأت موقعها الإلكترونية في 1996، وأُدخلت اللغة العربية كأحد لغات الموقع في 1998، و«منظمة العفو الدولية» التي أطلقت موقعها الإلكتروني أيضًا في 1996، ونشرت بعض إصداراتها باللغة العربية، إلا أن ظهور اللغة العربية كقسم منفصل في موقعها قد حدث لاحقًا.  وكان للمنظمات العربية أيضا تواجد مبكّر، فهناك بعض المنظمات التي أنشأت مواقع إلكترونية لها، وإن كان أغلبها بالإنجليزية، وربما كان ذلك لمشاكل تتعلق بترميز اللغة العربية في متصفحات الإنترنت وقتها. كان موقع «مركز المساعدة القانونية لحقوق الإنسان» هو أول موقع مصري لمنظمة حقوقية على شبكة الإنترنت، وظهر في عام 1998، وفي نفس العام ظهر موقع مؤسسة «الحق» في فلسطين. كما كان لبعض الصحف العربية تواجد على الإنترنت في فترة مبكرة. في عام 1997 ظهرت جريدة «السفير» اللبنانية بنسخة رقمية على الإنترنت، وهو نفس العام الذي ظهر فيه موقع قناة «الجزيرة القطرية».  كما ظهر موقع ArabTimes كموقع تشرف عليه مجموعة من العرب المقيمين في أمريكا وكان يتمتع بمساحة واسعة من الحرية في النشر المقالات والأخبار السياسية. وفي 1998 ظهرت جريدة «الأهرام» المصرية.

ومع تطور الويب و المواقع الإلكترونية ومحركات البحث على الإنترنت، والبريد الإلكتروني وانتشاره، والقوائم البريدية والمنتديات، وتطبيقات الدردشة  ثم تطبيقات وِب 2.0 كالمدونات والشبكات الاجتماعية، والهواتف الذكية المتطورة والحواسيب اللوحية، تضخّم حجم البيانات المتاحة على الشبكة، وأصبحت طرق الوصول إليها أكثر سهولة. فالشخص الذي  يلتقط صورة لمعلَم محلّي ويكتب عنها نصًا وينشرها مباشرة على الإنترنت في أقل من دقيقة،  يُغذّي الإنترنت بمعلومات عن الموقع الجغرافي الذي التُقطت الصورة فيه ووقت التقاطها، بالإضافة للصورة نفسها والمعلومات المكتوبة عنها. كل هذا بالإضافة للجامعات التي تنشر موادها الدراسية أو ترقمن مكتباتها على الإنترنت، أو مواقع التعليم  عن بُعد والمواقع الإخبارية، والمؤسسات البحثية والعلمية، والناشرين والحكومات التي تنشر محتوى عبر الإنترنت، وحتى الذكاء الاصطناعي وتطوره إلى أن أصبح يُنتج محتوى جاهزًا للنشر على الشبكة، كل ذلك يساهم في تغذية الشبكة بمليارات البيانات يوميًا.

استخدم المهتمون بالشأن العام والسياسي في مصر والمنطقة العربية الإنترنت منذ نهاية التسعينيات  وبداية الألفينات في التعبير عن آرائهم ونقاشاتهم ونشر المعلومات والبيانات، سواء عبر المنتديات أو عبر مواقع أنشأها مستخدمون منخرطون في العمل السياسي، غير أن ظهور الوِب 2.0 وتطبيقاته فتح مساحات أكثر مما كان يمكن تصورها، وأصبح الإنترنت المنصة الأساسية لنشر وتداول المعلومات.

في عام ٢٠٠٣ كانت الأمور في بغداد شديدة السوء؛ اجتياح أمريكي وهروب الجيش وانقطاع لوسائل الاتصالات ومجازر لمدنيين وبلد بأكمله يُدمّر، وكالات الأنباء العالمية والصحف الدولية تحاول تغطية الأحداث، وكتاب الأعمدة في صحف عالمية يحللون ما يحدث، والجميع يتلقفون أخبارًا من هنا وهناك. في هذا الوقت ظهرت مدونة «أين رائد؟» لمحرر عراقي يكتبها  تحت اسم مستعار هو «سلام باكس»، وهو واحد من أشهر المدونين في العالم. اعتمدت الصحف ووكالات الأنباء الدولية على ما ينشره المدون العراقي بمدونته كيوميات عمّا يحدث في العراق، وعرف العالم لاحقًا أن وراء هذا الاسم المستعار شابًا عراقيًا من أم شيعية وأب سني يُدعى سلام عبد المنعم الجنابي. ولاحقًا بدأ سلام يكتب بانتظام في صحيفة الجارديان.

مر تطوُّر استخدام الوِب في تبادل المعلومات ذات الصلة بالشأن العام في مصر بمراحل اتسمت بسرعتها وتأثيرها. ففي عامي 2004 و2005 كانت حركة «كفاية» قد بدأت تقيم مظاهرات رافضة لتوريث الحكم من مبارك الأب للابن، وفي نفس الفترة كانت أول انتخابات رئاسية بين مرشحين عديدين، وحالة من الزخم السياسي كانت قد ظهرت في الشارع. انبثقت عن حركة كفاية مجموعات أخرى منها «شباب من أجل التغيير»، واستُخدم الإنترنت كأحد طرق التواصل فيما بينهم. حركة «كفاية» نفسها دشنت وقتها موقعًا إلكترونيًا ومنتدى للنقاشات السياسة باسم «مندرة كفاية» كما استخدم الشباب برنامج «بالتوك» والمدونات في ترويج أفكارهم تجاه قضايا التغيير. وفي هذه الفترة ظهرت المدونات كمنصات إعلامية يستخدمها النشطاء في تداول أخبار فاعلياتهم في الشارع. وكان من المألوف في المظاهرات وقتها أن يوزع بعض المدونين ورقة بها عناوين إلكترونية لأهم المدونات المصرية ذات الطابع المتصل بالشأن العام المصري، واحدة من هذه الأوراق حملت عنوان «الأخبار منّا وعلينا»، وهو نفس العنوان الذي يمكن أن يلخص ما يحدث منذ السنوات الأولى للألفينيات وحتى الآن: نحن الإعلام.. نحن مصدر المعلومات.

تطور استخدام الإنترنت في تداول المعلومات حتى ظهر موقع «ويكيليكس»، ليُغيّر الإنترنت مفهوم المعلومات المُتاحة للجمهور، فتخرج مراسلات دبلوماسية حساسة بين دول كبرى ويكتشف العالم كيف تُدار العلاقات بين الدول والشركات العملاقة متعددة الجنسيات التي تتحكم في اقتصاد العالم، وكيف تتجسس دول تتشدق بقيم الديمقراطية على حكومات دول أخرى حليفة لها. ثم تأتي تسريبات إدوارد سنودن حول مراقبة الاتصالات والإنترنت من قبل الحكومة الأمريكية و دول أخرى كبريطانيا وكندا واستراليا وحتى بعض الدول العربية، لتثبت أيضًا مدى خوف الحكومات من قوة وتأثير المعلومات المُتاحة على الإنترنت وتداولها.

ما يحدث الآن هو أن تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، والوب وتطبيقاته، حوّلوا كل من يمتلك حاسوبًا ووسيلة اتصال بالإنترنت من مجرد قارئ/ مُتلقٍ، إلى ناشر/ مُنتج محتوى. والمفارقة هنا أن التطور التكنولوجي لقانون مور لم يعد متناسبًا مع الزيادة الضخمة في البيانات، بعد أن أصبح كل شخص قادرًا على إنتاج و نشر المعلومات/ البيانات/ المعرفة، فبينما يتناول القانون تضاعف قدرات الحواسيب في معالجة البيانات كل سنتين، فإن الواقع يؤكد أن البيانات على الإنترنت تتضاعف عشر مرات كل سنتين، ما يعني أنه ليس بإمكان التطور التكنولوجي الحاصل الآن معالجة كل ما يُنتج من محتوى من قبل مستخدمي الشبكة، وهذا ما يجعل علماء وشركات تصنيع وتطوير الحواسيب عاكفة على تطوير ما يُعرف بـ «الحواسيب الكمومية» والتي ستتمكن بشكل قد لا يمكن تخيله من معالجة وتخزين كل البيانات والمعلومات.

لماذا يجب رفض قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية

خلال الأيام القليلة الماضية، نشرت صحف ووسائل إعلام مصرية، نص مسودة قانون الجرائم الإلكترونية الذي سيُعرض على مجلس النواب خلال الأسابيع القليلة القادمة. المسودة متسقة تمامًا مع عداء النظام والرئيس للإنترنت ولمستخدميه، وتنقل مصر لمصاف الدول القمعية كالصين وكوريا الشمالية وحليفة النظام المملكة العربية السعودية، فيما يمكن تصنيفه بكونه إغلاق آخر مساحات المجال العام في مصر.

لماذا القانون؟

لا يُخفي النظام والرئيس عداءهما للإنترنت، ويبدو أنهما ينتظران أي فرصة لطرح رؤية قمعية واضحة تجاه مستخدميه، وفي ظل وجود مجلس نواب كالحالي ينساق في أغلبيته وراء النظام، فمن المنطقي أن يلتقط أعضاؤه طرف الخيط من الرئيس ﻹظهار مسودة قانون، ليست لمكافحة الجرائم بقدر ما هي محاولة لمنع تداول المعلومات والأخبار على الإنترنت، وللقضاء على آلية ناجحة جدًا في التنظيم، بعدما قُمعت حركات وتنظيمات التغيير الاجتماعي والديمقراطي، وجرت السيطرة على الإعلام، ولم يبق صوت سوى الإنترنت، ممثّلًا في المواقع الإخبارية الإلكترونية أو شبكات التواصل الاجتماعي.

الأمر الآخر الذي قد يجعل النظام أكثر خوفًا وعدائية للإنترنت، يتعلق بما ينشره الأفراد كالمقاطع المصورة والصور الرقمية المرتبطة بالمشاكل السياسية والاجتماعية المصرية وتعج بها مواقع كفيسبوك وتويتر، بالإضافة إلى ما تنشره المؤسسات الإعلامية الدولية ولا تمكن السيطرة عليه، وتسريبات طالت مصر كتسريبات بنما وما يتعلق بمراقبة الاتصالات والإنترنت.

أضف إلى ما سبق، التحركات التي خرجت في عهد النظام الحالي، ودُعي إليها جميعًا من خلال الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، ما جعل الأجهزة الأمنية في مأزق عدم القدرة على السيطرة على دعوات الاحتجاج، ما طور بدوره ممارساتها باتجاه تفتيش الهواتف الذكية للمواطنين عشوائيًا بالشارع بالمخالفة للقوانين والدستور المصري.

قدّم مسودة القانون النائبُ تامر الشهاوي، عضو مجلس النواب عن دائرة مدينة نصر، وهو ضابط جيش سابق عمل في المخابرات الحربية لمدة 20 سنة، وتقاعد في يناير 2015، ودائمًا ما يتحدث في الإعلام بجدية، وبوجه يبدو عليه الاقتناع، عن الحروب السيبرانية وحروب الجيلين الرابع والخامس، وهو ما قد يفسّر كيفية خروج مسودة القانون، متسقة مع رؤية الرئيس في عدائه للإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، ويفسّر أيضًا استغراب القانونيين من كيفية خروج مسودة قانون بهذا الشكل المتعارض مع الدستور وسائر القوانين المصرية.

ولماذا يجب رفض القانون؟

يدور منذ عامين حديث متقطع عن النية لإصدار قانون لمكافحة الجريمة الإلكترونية، وقد نشرت وسائل الإعلام المصرية مسودة قانونية سابقة في السنة الماضية، لا تختلف كثيرًا عن المسودة الحالية وإن كانت الأخيرة أكثر قسوة وقمعًا.

ليس من المبالغة أن نقول إن الثلاثين مادة الواردة بمسودة القانون الحالي هي مواد لا تهدف بالأساس لمكافحة الجريمة الإلكترونية، وإنما للسيطرة التامة على مستخدمي الإنترنت عن طريق ترويعهم بعقوبات قاسية على ممارسات طبيعية يومية يقوم بها معظم المستخدمين في العالم. وفي حال مُرّرت المسودة الحالية فكل مستخدمي الإنترنت في مصر مُعرّضون للسجن والغرامة.

تبدو جميع مواد القانون جديدة كليًا، من ناحية نوعية الجرائم واختلافها، ومن ناحية قسوة العقوبات المفروضة على المستخدمين، ما سيؤثر سلبًا ليس فقط على النشطاء في تعبيرهم عن آرائهم، بل يمتد فعليًا لكل مستخدم حتى وإن نشر فيديو أو شارك خبرًا أو معلومة، أو حصل على فيلم أو كتاب من مواقع التحميل والتورنت. أو حتى اختُرق بريده الإلكتروني دون علمه.

شركات الاتصالات تتجسس وتحجب

رغم أن حجب المواقع الإلكترونية لم ينتشر في مصر سوى في حالات محدودة ولفترات قصيرة نسبيًا، ولم يكن هناك قانون يُلزم شركات الاتصالات بحجب مواقع أو خدمات بعينها، وأن التجسس على الاتصالات كان مستندًا على مادة مبهمة وغير محددة في قانون الاتصالات، إلا أن مسودة القانون الحالي تنقل الإنترنت في مصر للخلف، ليصطف النظام مع أنظمة ديكتاتورية عتيقة كالصين وكوريا الشمالية والسعودية، كأمثلة على أسوأ الدول في ممارستها تجاه الإنترنت.

تُحكِم مسودة القانون سيطرة الدولة على الإنترنت، فلا داع الآن لأن تشتري الأجهزة الأمنية برمجيات ومعدات تقنية لمراقبة الاتصالات في مصر، فشركات الاتصالات المصرية على اختلاف أنواعها ستُلزَم بالمراقبة الجماعية لكل مستخدميها، عن طريق اتخاذ كافة الإجراءات والتدابير التقنية اللازمة لحفظ وتخزين محتوى النظام المعلوماتي أو أي وسيلة لتقنية المعلومات، وكذلك حفظ وتخزين بيانات خط السير كرسائل البيانات وحركتها، وذلك لمدة ستة أشهر. ما يعني أن شركات الاتصالات جميعها، سواء الشركة المصرية للاتصالات أو شركات المحمول أو الشركات التي تُقدم خدمة الإنترنت، ستُلزم بحفظ كل ما تقوم به بدءًا من إجراء المكالمات أو تلقيها، وإرسال الرسائل القصيرة أو استقبالها، وحتى المواقع التي تزورها على الإنترنت. والاحتفاظ بها لمدة ستة أشهر طبقًا للمادة 27 من المسودة.

تتعامل مسودة القانون مع استخدام الإنترنت بوصفه جريمة بالأساس، وعليه فإن القانون يُعطي لجهات التحري والضبط المختصة سلطة مراقبة الإنترنت والبحث عما قد يُشكل تهديدًا للأمن القومي، أي أننا بصدد مراقبة عشوائية للإنترنت من قبل الأجهزة الأمنية، للبحث عما تعتبره جريمة، وبعدها يمكن لجهات التحقيق ومحكمة الجنايات إصدار أمر بالحجب في غضون 24 ساعة فقط، طبقًا للمادة 14 من المسودة!

ضرر هذه المادة بالغ، فهي فعليًا تستخدم لفظ “الأمن القومي” التي يستخدمها النظام دائمًا في مواجهة الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، والأمر هنا يتعلق بالعديد من الخدمات وليس فقط مواقع كفيسبوك وتويتر، بل إن حتى خدمات التراسل التي تستخدم طبقات تشفير كواتسآب وسيجنال، ويستخدمها ملايين المصريين يوميًا، يمكن حجبها طبقًا لنفس القانون.

الضحية متهم أيضًا

في سابقة قانونية، تُعاقِب مسودة القانون الضحية وليس الجاني، ففي حال اختُرق بريدك الإلكتروني أو حساباتك على الشبكات الاجتماعية، أو إن كنت تملك موقعًا إلكترونيًا أو تكتب في مدونة واختُرِقت وارتُكبت أحد الجرائم بسبب هذا الخطأ التقني، فستُعاقَب بحبس لا يزيد عن ثلاث سنوات وغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيهًا ولا تزيد عن 100 جنيهًا، أو بإحدى هاتين العقوبتين، طبقا للمادة 13 من المسودة.

سمعتَ بالتأكيد عن أشخاص اتُهموا بالإخلال بالنظام العام وتعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر، ومنع وعرقلة ممارسة السلطات العامة لأعمالها وتعطيل أحكام الدستور والقوانين واللوائح، والإضرار بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي وازدراء الأديان السماوية، وهي اتهامات شاع استخدامها في الثلاث سنوات الأخيرة ضد مئات المواطنين المصريين، واتُهم بها أشخاص من كل الاتجاهات والتيارات، كما وُجّهت ضد من لا يتعاطون مع السياسة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، اتُهم الشيخ السلفي محمد حسان سابقًا بازدراء الأديان، كما واجه إسلام البحيري وفاطمة ناعوت ومجموعة الأطفال بالمنيا أيضًا نفس التهمة، ووُجهت التهم السابق ذكرها للعديد من مستخدمي الإنترنت في قضايا إدارة الصفحات الإلكترونية، أو لنشطاء سياسيين وحقوقيين كحالة مالك عدلي مثلًا، أو حتى لفنانين كما حدث مع أعضاء فرقة “أطفال شوارع” مؤخرًا. طبقًا للمادة 23 من المسودة فإن من يدان بهذه التهمة يواجه عقوبة السجن المؤبد أو المشدّد. الأمر ليس بعيدًا عن أي مستخدم، حيث يمكن استخدام هذه التهم ضد المستخدم إثر أي من الممارسات العادية التي يقوم بها يوميًا، بدءًا من اللايك والشير على فيسبوك.

إذا أعجبك مقطع فيديو أو فيلم أو كتاب وشاركته مع أصدقائك على فيسبوك أو تويتر مثلًا، فستواجه عقوبة تصل إلى الحبس والغرامة التي لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تتجاوز مائتي ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين طبقا للمادة 21 من المسودة. وقد يواجه هذه التهمة مستخدمو التورنت وأصحاب المواقع والمدونات التي تنشر الأفلام والكتب مثلًا.

في حالة كنت تتصفح موقعًا إلكترونيًا وحدث خطأ تقني في الموقع (خطأ ليس لك دخل به، بل قد يكون خطأ برمجيًا وقع فيه مبرمجو ومطورو الموقع) واستطعت الوصول لأي معلومات على الموقع دون أن تكون لديك صلاحية لذلك، فستُعاقب بالحبس والغرامة التي لا تقل عن 30 ألف جنيهًا ولا تزيد عن 50 ألف، وإذا نتج عن هذا الخطأ التقني – الذي ليس لك دخل به ولم تتسبب به بالأصل- إتلاف أو محو أو تغيير أو نسخ للمعلومات والبيانات الموجودة به، فستكون العقوبة الحبس لما لا يقل عن ستة أشهر وغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيهًا ولا تجاوز 100 ألف، أو إحداهما. طبقا للمادة 17 من المسودة.

تحتوي مسودة القانون فعليًا على العديد من المواد الأخرى التي تقيّد الإنترنت والمستخدمين تمامًا، وتفرض عقوبات على الشركات التي تخالف أيًا من أحكام القانون، وإذا مُررت هذه المسودة فعلًا في مجلس النواب، فسيصبح الإنترنت في مصر مثار تندر العالم، كما هو في كوريا الشمالية.