ما فعلته الأنظمة بالإنترنت

شارك المقال

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn

نُشر هذا المقال أولًا على موقع المنصة، في يناير 2021، بمناسبة مرور 10 أعوام على ثورة يناير.

قبل ثورة يناير، كان النظام على وعي بدور الإنترنت كوسيط لتداول المعلومات وأيضًا كأداة للتغيير السياسي والاجتماعي، فأغلب حركات التغيير كانت تستخدمه للتنظيم وحشد التأييد في قضايا الشأن العام منذ عام 2004، خاصة مع الحراك السياسي الذي احتدم بالتزامن مع التعديلات الدستورية والانتخابات الرئاسية في 2005 وصعود حركات تغيير سياسي كالحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية)، وحركة شباب من أجل التغيير، ونشاط عشرات المدونين المهتمين بالشأن العام والقضايا السياسية والحقوقية.

لاحقًا سيتعاظم دور الإنترنت أكثر مع الدعوة في عام 2008 لإضراب 6 أبريل في المحلة، حيث دعت مجموعات عمالية عديدة لعصيان مدني في 6 أبريل، وهي الدعوة التي لقيت استجابة العديد من القطاعات إذ انضمت إليها أغلب حركات التغيير السياسي والاجتماعي النشطة آنذاك. لعب الإنترنت دورًا محوريا في الدعوة ليوم 6 أبريل، خاصة مع انتشار دعوات الاستجابة للعصيان المدني على فيسبوك، ومشاركة الآلاف في نشر هذه الدعوة.

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يُوظّف فيها نشطاء التغيير السياسي والاجتماعي الإنترنت في حشد التأييد تجاه قضايا حقوقية وسياسية واجتماعية، فقد كانت المدونات، التي بدأت تصبح ظاهرةً منذ عام 2004، رسخت نفسها كإحدى وسائط الدعوة والتنظيم وفضح الانتهاكات كالتعذيب في أقسام الشرطة والتحرش الجنسي الجماعي، واشتبكت مع معركة استقلال القضاء ولعبت دورًا في ملف المعتقلين السياسيين.

كانت إحدى الوثائق التي حصل عليها المتظاهرون بعد اقتحام مقار جهاز مباحث أمن الدولة المنحل في مارس/ آذار 2011، تُشير إلى محاولة الجهاز الحصول على برمجية التجسس FinFisher من شركة Gamma Group البريطانية، وهو أحد أكثر برمجيات التجسس شهرة، استخدمته حكومات عديدة للتجسس على المعارضين السياسيين. فينفيشر يحتوي على العديد من الأدوات التي تمنح لمُشغِّليه القدرة على مراقبة الاتصالات بما في ذلك المكالمات الهاتفية والرسائل القصيرة ورسائل البريد الإلكتروني وتطبيقات الدردشة والوصول إلى الملفات المُخزّنة على الأجهزة، وكذلك سحب كلمات المرور المَحفُوظة وإمكانية رصد ما يحدث حول الأجهزة المستهدفة، من خلال الكاميرا المرتبطة بها، وغير ذلك من الوظائف.

ولكن مع ذلك فإن ممارسات الرقابة على الإنترنت والاتصالات قبل ثورة يناير كانت أقل وطأة مما تلاها. على الأغلب، كان النظام قبل الثورة يستهدف معارضين وشخصيات بعينها في ممارسته لمراقبة الإنترنت والاتصالات، في امتداد ربما لسياسات مراقبة الاتصالات بشكل عام، التي اعترف بها لاحقًا وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي في شهادته عام 2014 أمام المحكمة في قضية اقتحام الحدود الشرقية، وأوضح كيف كانت المعلومات التي تجمعها الأجهزة الأمنية تستخدم في “التجنيد”.

ولكن يبقى الأثر الأكبر للإنترنت كوسيلة للتواصل والحشد قبل الثورة، هو ما حدث في الأشهر الستة التالية على حادث تعذيب وقتل الشاب خالد سعيد في يونيو/ حزيران 2010، التي تكللت بدعوات للتظاهر في 25 يناير 2011، انتهت إلى ثورة شعبية حاشدة أطاحت بالرئيس بعد 18 يومًا.

هذه التداعيات المتتالية جعلت الأنظمة التي تعاقبت على مصر بعد يناير 2011 تناصب عداءً للإعلام ومنظمات المجتمع المدني والإنترنت؛ كأسباب مفترضة للثورة، مع تجاهل الأسباب الواقعية المرتبطة بتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في البلاد.

تحولات ما بعد الثورة: الإنترنت عدوًّا

كانت يناير نقطة تحول كبيرة في أساليب وآليات الرقابة على الإنترنت؛ فقبل الثورة كان الأمر أقل وطأة حيث كان النظام يستهدف معارضين وشخصيات بعينها بالرقابة، ولكن ذلك اختلف بعد 2011، حيث أظهرت كثير من التسريبات والتقارير الصحفية كيف أن النظام سعى للحصول على برمجيات ومعدات تستخدم لممارسة رقابة جماعية على الاتصالات والإنترنت عمومًا، واستمرت أيضًا في الحصول على برمجيات للاستهداف المُوّجه. كما صيغت قوانين تُجبر شركات الاتصالات على جمع وتخزين بيانات المستخدمين بما في ذلك البيانات التي تُمكّن من التعرف على المستخدم وحركة الاتصال.

ما يمكن أن نؤكده أن الأنظمة المُتعاقبة على مصر منذ 2011 قد توسعت في ممارساتها للسيطرة على الإنترنت والاتصالات، ومع الإطاحة بالرئيس الراحل محمد مرسي على وقع احتجاجات 30 يونيو/ حزيران 2013 وتثبيت دعائم الدولة الجديدة، أصبح التعامل مع الإنترنت أكثر قسوة مع استحداث قوانين جديدة تنتهك الحقوق والحريات على الإنترنت، والتوسع في استخدام واستيراد تقنيات مراقبة الإنترنت والاتصالات وحجب المواقع، دون إغفال تزايد ملاحقة النشطاء على الإنترنت أمنيََا وقضائيًا.

فخلال السنوات العشر الماضية، كشفت العديد من التسريبات والتقارير الصحفية تَورُط النظام في شراء واستخدام برمجيات ومعدات التجسس ومراقبة الإنترنت والاتصالات. على سبيل المثال؛ نشرت صحيفة في يونيو 2014 خبرًا عن إصدار وزير الداخلية قرارًا بإجراء ممارسة محدودة تحت اسم “منظومة قياس الرأي العام” ضمن ما يسمى “مشروع رصد المخاطر الأمنية لشبكات التواصل الاجتماعي”، وأرفقت مع الخبر كراسة شروط الممارسة.

يبدو من كراسة الشروط المنشورة أن الحكومة المصرية آنذاك كانت تُحاول الحصول على برمجية تجسس قابلة للتطوير في المستقبل، فاشترطت كراسة الشروط توفير وتسليم “كود المصدر لكل من قواعد البيانات والتطبيقات حيز التعاقد”. ويبدو من المُقدِّمة والأهداف الواردة في كراسة الشروط أن الحكومة المصرية تُريد فرض سيطرتها الكاملة على الإنترنت، خاصة مع اشتراط أن يكون النظام قادرًا على مراقبة وتحليل مواقع التواصل الاجتماعي؛ فيسبوك وتويتر ويوتيوب وانستجرام ولينكدن وفايبر وواتساب، مع إمكانية إضافة مواقع أخرى مستقبلًا، بالإضافة إلى قدرة البرنامج على التعامل مع الملفات النصّية المختلفة وتحليل مفرداتها.

تُخالِف هذه الممارسات بطبيعة الحال قيم ومبادئ حقوق الإنسان الأساسية والمواثيق الدولية التي وقعت عليها مصر، لكنها كانت متماشية مع الإرادة السياسية للحكومات والأنظمة المُتعاقبة على مصر، من قبل ثورة يناير، للسيطرة على الإنترنت والاتصالات وحرية تداول المعلومات، ويظهر ذلك في العديد من القوانين المصرية، ليس فقط الصادرة بعد ثورة يناير أو بعد صعود النظام الحالي في 2013.

على سبيل المثال، فإن القانون رقم 10 لسنة 2003، الذي يُنظّم قطاع الاتصالات في مصر، قد أعطى سلطة لأجهزة “الأمن القومي” في إخضاع جميع أنواع خدمات وشبكات الاتصالات لإدارتها طبقًا للمادة 67 التي تنص على منح هذه السلطة “في حالة حدوث كارثة طبيعية أو بيئية أو في الحالات التي تعلن فيها التعبئة العامة طبقًا لأحكام القانون رقم 87 لسنة 1960 المشار إليه وأية حالات أخرى تتعلق بالأمن القومي”.

كما تلزم المادة 64 من القانون نفسه جميع مقدمي خدمات الاتصالات توفير “كافة الإمكانيات الفنية من معدات ونظم وبرامج واتصالات داخل شبكة الاتصالات التي تتيح للقوات المسلحة وأجهزة الأمن القومي ممارسة اختصاصها في حدود القانون، على أن يتزامن تقديم الخدمة مع توفير الإمكانيات الفنية المطلوبة، كما يلتزم مقدمو ومشغلو خدمات الاتصالات ووكلائهم المنوط بهم تسويق تلك الخدمات بالحصول على معلومات وبيانات دقيقة عن مستخدميها من المواطنين ومن الجهات المختلفة بالدولة”.

كما ينص قانون الطوارئ (رقم 162 لسنة 1958) في مادته الثالثة على حق رئيس الجمهورية في “الأمر بمراقبة الرسائل أيا كان نوعها ومراقبة الصحف والنشرات والمطبوعات والمحررات والرسوم وكل وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها وضبطها ومصادرتها وإغلاق أماكن طباعتها” أثناء إعلان حالة الطوارئ وهو وضع مستمر في مصر منذ أبريل/ نيسان 2017.

هجمات إلكترونية حكومية

يبدو إذن منطقيًا لماذا تنظر الأنظمة المتعاقبة على حكم مصر بعد ثورة يناير، وخاصة مع صعود النظام الحالي في 2013، كعدو ومصدر تهديد، جنبًا إلى جنب مع وسائل الإعلام التقليدية ومنظمات المجتمع المدني العاملة في مجال حقوق الإنسان. وعلى ذلك، فقد عملت على فرض سيطرتها على وسائل الإعلام، إما باستحداث قوانين جديدة تحكم عملها أو عبر الاستحواذ على ملكيتها من خلال شركات تتبع أجهزة أمنية، ثم بدأت تستخدم هذه المنصات الإعلامية في توجيه خطاب معادٍ لمنظمات حقوق الإنسان بالتزامن مع ملاحقة قياداتها أمنيًا وقضائيًا واعتقال المزيد من النشطاء الحقوقيين، كما سنت العديد من القوانين التي تُمكّنها من فرض سيطرتها على الإنترنت والاتصالات، بالإضافة إلى الاستمرار في الحصول على برمجيات ومعدات للتجسس والمراقبة والرقابة على الإنترنت.

مع بداية 2016 بدا أن النظام قد اتخذ قرارًا بإعادة فتح قضية منظمات حقوق الإنسان في مصر التي عُرفت إعلاميًا بقضية التمويل الأجنبي. مَثُل العديد من المدافعات والمدافعين أمام المحكمة بينما قرر قاضي التحقيقات في القضية منع آخرين من السفر والتحفظ على أموالهم الشخصية أو أموال المؤسسات التي يعملوا بها.

ثم بدأت الأجهزة الأمنية في استغلال الزخم الإعلامي حول هذه القضية في شن هجمات إلكترونية بالاعتماد على “الهندسة الاجتماعية”، استهدفت كثير من الناشطين الذين استقبلوا رسائل بريد إلكتروني بعضها ينتحل هوية إحدى أعرق وأقدم المؤسسات الحقوقية المصرية “مركز النديم”، وبعضها يتناول قائمة “الممنوعين من السفر” والبعض الآخر يتناول تقرير تجنيد الأمن الوطني للمنظمات. كل هذه الرسائل كانت مُزيفة وأُرسلت بهدف الحصول على كلمات المرور لمُتلقيّها، وكما يُشير التقرير الصادر عن سيتزن لاب والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، فبعد “عدد من الهجمات المتتالية على الحسابات الشخصية تلقى بعض العاملين والعاملات إخطارًا رسميًّا من شركة جوجل بوجود فاعل حكومي يسعى لسرقة كلمة السر”.

رقابة.. اختراق.. تجسس

في نوفمبر/ تشرين الثاني 2013، أعلن مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي أن “الدول الأعضاء قرّرت تعليق تراخيص التصدير إلى مصر لأيّ معدات يمكن أن تستخدم في القمع الداخلي”. لم يمنع هذا القرار الحكومة المصرية من السعي للحصول على برمجيات تجسس ومراقبة، ففي 2014، زوّدت شركة Ercom الفرنسية السلطات المصرية بعدّة وسائل لاعتراض الاتّصال، أُطلق عليها Vortex، بالإضافة لبرمجية تحفظ وتعالج المعلومات، تسمى Cortex.

يُمكّن كل من Vortex وCortex الأجهزة الأمنية من اعتراض المكالمات والرسائل النصية ومراقبة حركة الإنترنت أو تحديد الموقع الجغرافيّ لهدفٍ ما.

إلى جانب ذلك، استوردت السلطات المصرية بحسب تقرير نشره سيتزن لاب عام 2013 برمجية ProxySG من شركة Blue Coat Systems الأمريكية عبر وكيلها في مصر. هذه البرمجية تُتيح للسلطات المصرية استخدام تقنية الفحص العميق للحزم التي تتيح قدرات هائلة من بينها تحديد الموقع الجغرافي للمستخدمين والتتبع ومراقبة وتصفية الإنترنت واختراق تطبيقات الواتساب وفايبر وسكايب وغيرها.

ربما كان قرار تعليق تراخيص تصدير أيّ معدات يمكن أن تستخدم في القمع الداخلي إلى مصر، هو الدافع لتحايل النظام المصري في 2017 للحصول على برمجيات تجسس من شركة فرنسية عبر الإمارات، التي اشترت برمجية التجسس Cerebro من إنتاج شركة Amesys. غيّرت الشركة لاحقا اسمها إلى Nexa Technologies وقدمت البرمجية للحكومة المصرية.

تتيح Cerebro مراقبة شاملة للاتصالات عبر تقنية الفحص العميق للحزم بما في ذلك المكالمات الصوتية والرسائل النصية ورسائل البريد الإلكتروني والرسائل الفورية، وشبكات التواصل الاجتماعي المختلفة وعمليات البحث على محركات البحث.

في 2015، خرجت واحدة من أكبر التسريبات المُتعلقة بأنشطة الحكومات في مراقبة الإنترنت والاتصالات، حيث نشرت مجموعة من المخترقين أكثر من 400 جيجا من الوثائق الداخلية ومراسلات البريد الإلكتروني لشركة هاكينج تيم (Hacking Team) الإيطالية، أظهرت هذه الوثائق أن السلطات المصرية اشترت برنامج Remote Control System، الذي يمكّن من اختراق جميع أنظمة التشغيل (ويندوز ولينكس وآي أو إس وأندرويد وبلاكبيري وويندوز فون)، والتجسس على التطبيقات والمكالمات الصوتية والرسائل النصية ورسائل البريد الإلكتروني، ويمنح إمكانية اختراق الكاميرا والميكروفون المدمجين في الأجهزة وتطبيقات الدردشة، والتجسس على الملفات المُخزّنة على الأجهزة وتحديد الموقع الجغرافي والتجسس على ما يكتب بلوحة المفاتيح لالتقاط صور لشاشة الأجهزة والمواقع التي يتم تصفحها.

استمرت الحكومة المصرية في أنشطتها للحصول برمجيات تجسس ومراقبة، حيث كشف تقرير آخر أصدره سيتزن لاب عام 2018، عن استخدام الحكومة لبرمجية التجسس Pegasus من إنتاج شركة NSO الإسرائيلية، وهي برمجية تعمل عبر الاحتيال على الشخص المستهدف ليضغط على رابط خبيث يبدأ على الفور في استغلال سلسلة من الثغرات غير المعروفة “zero-day” لاختراق ميزات الحماية الرقمية على الهاتف وتحميل “Pegasus” دون علم أو إذن المستخدم.

حالما يتم تحميل “Pegasus” على الهاتف، فإنه يبدأ بالاتصال بمركز التحكم (C&C) لاستقبال وتنفيذ أوامر المشغّل، ويرسل البيانات الخاصة بالشخص المستهدف، بما في ذلك المعلومات الخاصة، كلمات المرور، جهات الاتصال، التقويم، الرسائل النصية، والمكالمات الصوتية المباشرة من تطبيقات المراسلة الخاصة بالموبايل. يمكن للمشغل حتى أن يشغل كاميرا الهاتف والميكروفون لالتقاط وتسجيل النشاط في المحيط الذي يتواجد به الهاتف.

مؤخرا في ديسمبر 2020 نشر سيتزن لاب، تقريرًا عن استخدم عملاء حكوميون برنامج التجسس بيجاسوس لاختراق 36 هاتفًا شخصيًا لصحفيين ومنتجين ومراسلين ومدراء تنفيذيين في قناة الجزيرة، وصحفية في قناة العربي.

وبالإضافة إلى ما سبق، كشف تحقيق للمنصة بالتعاون مع مؤسسة Qurium كيف استخدمت أجهزة ساندفين لحجب موقع المنصة

ليست هذه المرة الأولى التي يُكتشف فيها استخدام النظام المصري لأجهزة ساندفين، ففي 2018 كشف تقرير صادر عن سيتزن لاب، رصد استخدام جهاز Sandvine PacketLogic، حيث تم العثور على middle boxes لاستخدام تقنية الفحص العميق للحزم على واحدة من شبكات الاتصالات المصرية.

هذه الأجهزة تم استخدامها لإعادة توجيه مستخدمي العديد من مزودي خدمة الإنترنت إلى إعلانات وسكربتات تعدين عملات رقمية. فيما أجرت مسار –مجتمع التقنية والقانون، مجموعة من الاختبارات على عينة من مواقع الويب المحجوبة في مصر، بهدف الكشف عن استخدام مُعدات ساندفين لحجب هذه المواقع، انتهت إلى أن هناك 15 موقع ويب حقوقي وصحفي تعرّضوا للحجب بواسطة مُعدات ساندفين.

​مزيد من قوانين السيطرة على الإنترنت

لم يكتفِ النظام المصري بالتجسس والمراقبة ومحاولات الاختراق، لكنه سن أيضًا قوانين جديدة تمنحه سيطرة قانونية على الإنترنت. فمنذ 2015 وهناك العديد من المسودات التي نشرتها وسائل إعلام مصرية لقوانين “مكافحة جرائم الإنترنت”، لاقت جميعها انتقادات واسعة من المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لكن في 2018 صدر القانون بما يقنن المراقبة الشاملة على الاتصالات والإنترنت، حيث أُلزِمَت شركات الاتصالات بحفظ وتخزين بيانات استخدام العملاء لمدة 180 يومًا.

تشمل هذه البيانات ما يُمكِّن من التعرُّف على المستخدم، وأيضًا البيانات المُتعلقة بمحتوى ومضمون النظام المعلوماتي، وبحركة الاستخدام وبالأجهزة المُستخدمة؛ ما يعني أنه سيكون لدى مقدمي خدمات الاتصالات بيانات توضِّح كل ما يقوم به المستخدم، كالمكالمات الهاتفية والرسائل النصية والمواقع التي يزورها والتطبيقات المستخدمة على الهواتف الذكية والحواسيب، وذلك كله على سبيل المثال لا الحصر.

كما يُلزم القانون أيضا شركات الاتصالات بحفظ وتخزين أي “بيانات أخرى يصدر بتحديدها قرار” عن مجلس إدارة الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، مما يعني أنه يمكن لاحقًا إلزام مقدمي خدمات الاتصالات بجمع والاحتفاظ ببيانات غير منصوص عليها في القانون بمجرد صدور قرار إداري عن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات. وتعطي المادة الحق لجهات الأمن القومي، التي تشمل رئاسة الجمهورية، القوات المسلحة، وزارة الداخلية، المخابرات العامة، وهيئة الرقابة الإدارية، الاطلاع على هذه البيانات، وتُلزم مقدمي خدمات الاتصالات أن يوفروا الإمكانيات الفنية لذلك.

قبل ذلك بثلاث سنوات، صدر قانون مكافحة الإرهاب الذي نص في مادته رقم 46 على أنه “للنيابة العامة أو سلطة التحقيق المختصة بحسب الأحوال في جريمة إرهابية أن تأذن بأمر مسبب لمدة لا تزيد على ثلاثين يومًا، بمراقبة وتسجيل المحادثات والرسائل التي ترد على وسائل الاتصال السلكية واللاسلكية وغيرها من وسائل الاتصال الحديثة، وتسجيل وتصوير ما يجري في الأماكن الخاصة أو عبر شبكات الاتصال أو المعلومات أو المواقع الإلكترونية وما يدون فيها وضبط المكاتبات والرسائل العادية أو الإلكترونية والمطبوعات والطرود والبرقيات بجميع أنواعها ويجوز تجديد الأمر المشار إليه في الفقرة الأولى من هذه المادة مدة أو مددًا أخرى مماثلة”.

أما في عام 2016، وبعد نحو سنة ونصف من بدء ممارسة حجب المواقع، صدر قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام الذي أعطى سلطة حجب المواقع الصحفية أو أي موقع إلكتروني شخصي أو مدونة أو حساب إلكتروني يبلغ عدد متابعيه أكثر من خمسة آلاف متابع للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وذلك في حالة “نشر أو بث أخبار كاذبة، أو ما يدعو أو يحرِّض على مخالفة القانون أو إلى العنف أو الكراهية، أو ينطوي على تمييز بين المواطنين أو يدعو إلى العنصرية أو التعصب أو يتضمن طعنًا في أعراض الأفراد أو سبًّا أو قذفًا لهم أو امتهانًا للأديان السماوية أو للعقائد الدينية” كما ينص القانون.

الحجب الممنهج

لم تكتفِ الحكومة المصرية بسن القوانين التي تمكنها من السيطرة على الإنترنت ولا بشراء البرمجيات والمعدات التي تمكّنها من اختراق الحسابات والأجهزة ورقابة مستخدميها بالمخالفة للدستور، فقد امتد الأمر أيضًا إلى محاولات السيطرة على تداول المعلومات والأخبار على الإنترنت والحيلولة دون استخدامه كوسيط للتنظيم والدعوة وحشد التأييد تجاه القضايا الحقوقية وقضايا التغيير السياسي والاجتماعي؛ ما جعل النظام المصري يستحدث ممارسة واسعة لحجب مواقع الويب منذ 2017.

قبل هذا الوقت كان الحجب إجراءً يتخذ في حالات محدودة؛ حيث حُجبت مواقع فيسبوك وتويتر وبامبيوزر لأيام معدودة أثناء ثورة يناير، وسابقا حُجبت خدمات سكايب الصوتية على إنترنت الهواتف المحمولة، ولكن مع ذلك لم يكن الحجب قد أصبح ممارسة شائعة بعد.

فعليًا، بدأ التوسع في حجب مواقع الويب مع نهاية عام 2015 عندما حُجب موقع العربي الجديد. بعد ذلك، أصبحت ممارسات الحجب ممنهجة للحد من تداول المعلومات وحرية الإعلام خاصة مع حجب 21 موقعََا صحفيًا في مايو/ أيار 2017. حتى الآن لم تعلن أي جهة في الدولة مسؤوليتها عن هذا الحجب الذي لا يستند إلى أي سند قانوني.

كما هو واضح فإن الحكومة المصرية تتخذ مسارين متوازيين في سعيها للسيطرة على الإنترنت والاتصالات في مصر؛ ترسانة قوانين تحكم الرقابة على الإنترنت وتعزز إمكانية السيطرة عليه، وبرمجيات تجسس ورقابة متطورة تمكن من الحصول على معلومات لا يمكن تقنين الحصول عليها.

يعلم النظام الحالي في مصر جيدًا قدرة تأثير اتصال الناس بشكل اعتيادي عبر الإنترنت في تكوين شبكات علاقات مُعقّدة؛ تُنشئ معرفة مشتركة من أفراد أو مجموعات قائمة على وعي واقعي بما يواجهونه، خاصة وأن التجارب السابقة التي خاضتها حركات التغيير السياسي والاجتماعي في مصر اعتمدت على الإنترنت والشبكات الاجتماعية كوسيلة أساسية للتنظيم والتعبير عن الرأي.

وبعد أن أغلق النظام بإحكام مساحات المجال العام وسيطر على وسائل الإعلام وقمع المنظمات الحقوقية وجرّف الحياة السياسية تمامََا؛ فما يزال الإنترنت هو المساحة الأخيرة المُتاحة للأفراد والتجمعات للتعبير عن آرائهم حتى مع عمل النظام الدؤوب للسيطرة عليه.

ولا يُتَوقّع أن يتوقف النظام الحالي عن محاولات السيطرة على قدرة الناس على التواصل وتداول المعلومات، المحاولات التي لا تحاول الدولة نفيها حتى، بل إن رئيس الجمهورية استعرض بنفسه خلال السنوات الماضية قدرته على التحكم في الإنترنت من خلال “كتيبتين” تحولانه إلى “دائرة مقفولة والاعلاميين ياخدوا أخبار وشغل منها”.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *